فيسبوك تويتر RSS



العودة   منتديات ستوب > المنتديات الإسلامية > السيرة النبوية وقصص تاريخ الاسلام ورجاله

السيرة النبوية وقصص تاريخ الاسلام ورجاله السيرة النبوية.الاسراء والمعراج.السنة النبوية الصحيحة. صحيح البخاري.صحيح مسلم.تاريخ بني أمية.التاريخ العباسي.التاريخ الأندلسي. التاريخ الفاطمي.التاريخ الاسلامي.تاريخ وتراجم.متون السيرة.تراجم السيرة النبوية.التأريخ الإسلامي.قصص التائبين.قصص الانبياء والرسل.قصص القران.قصص البطولات الاسلامية



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #7  
قديم July 15, 2013, 03:26 AM
 

7 رمضان



مبايعة ولي عهد المأمون علي بن موسى الكاظم:

في اليوم السابع من رمضان سنة 201 أمر المأمون العباسي خليفة المسلمين بالبيعة لعلي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ولياً لعهده وخليفة من بعده ، وسماه الرضي ، وهو من الطالبيين وليس العباسيين
قال اليعقوبي في تاريخه (2/448):
وأشخص المأمون الرضي علي بن موسى من المدينة الى خرسان ، وكان رسوله إليه رجاء بن أبي الضحاك قرابة الفضل بن سهل ، فقدم بغداد ، ثم أخذ به على طريق ماه البصرة، حتى إذا صار إلى مرو بايع له المأمون بولاية العهد من بعده.
وكان ذلك يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة 201هـ
وألبس الناس الأخضر، (شعار الطالبين) وكان السواد (شعار العباسيين قبل) وكتب بذلك إلى الآفاق ، وأخذت البيعة للرضي ، ودعي له على المنابر ، وضربت الدنانير والدراهم باسمه..
وقد أثار هذا التعيين حفيظة كثير من بني العباس!.
يقول ابن الجوزي في (المنتظم 10/97) : وغضب ولد العباس من ذلك، واجتمع بعض إلى بعض فيه, وقالوا:
نولي بعضنا ونخلع المأمون!..
ولكن الأمور بعد ذلك سارت كما أراد المأمون..
وقد أشار المأمون في خطاب توليته علي بن موسى لولاية العهد إلى سبب اختياره للرضي، حيث يقول: (ولم يزل أمير المؤمنين.. مختاراً لولاية عهده، ورعاية الأمة من بعده، أفضل من علمه في دينه وورعه، وأرجاهم للقيام بأمر الله وحقه، مناجياً لله بالاستخارة ، مُعْمِلاً (مجتهداً) في طلبه في أهل بيته من ولد عبد الله بن العباس وعلي بن أبي طالب فكره ونظره.. فكانت خيرته - بعد استخارته لله وإجهاد نفسه في قضاء حقه في عبادة من البيتين - علي بن موسى.. لمّا رأى فضله البارع وعلمه الناصع وورعه الظاهر وزهده الخالص...إلخ).
ولم يعمر علي بن موسى طويلاً بعد مبالغته بولاية العهد بل مات بعد سنتين (عام 203هـ) في يوم ا لحادي والعشرين من رمضان.


حادثة غريبة: طائر ينطق

ومن حوادث اليوم السابع من شهر رمضان ما جاء في (شذرات الذهب 1/100) وغيره وهي حادثة غريبة جداً.
قال: في سنة اثنتين ومائتين وأربعين وقع طائر أبيض دون الرخمة على دابة بحلب لسبع مضين من رمضان فصاح :
يا معشر الناس ، اتقوا الله الله الله حتى صاح أربعين صوتاً ، ثم طار وجاء من الغد فصاح أربعين صوتاً.
وكتب صاحب البريد بذلك ، وأشهد خمسمائة إنسان سمعوه.


توليه الخليفة المعتمد أخاه لملاقاة الزنج:


ومن حوادث اليوم السابع من شهر رمضان : قال الطبري في تاريخه (5/480) ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائتين
وفيها: عقد المعتمد (الخلفية العباسي) لأخيه أبي أحمد على الكوفة وطريق مكة والحرمين واليمن ـ أي ولاه عليها ـ ثم عقد له أيضاً بعد ذلك لسبع خلون من شهر رمضان على بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز وفارس. وكانت فتنة الزنج قائمة وشديدة, وأمره بالاستعداد والتهيؤ والإناخة بإزاء عسكر صاحب الزنج.
فلما وصل أحد القواد - واسمه سعيد الحاجب - إلى نهر معقل وجد هناك جيشاً لصاحب الزبح، فأوقع بهم فهزمهم ، واستنقذ ما في أيديهم من النساء والنهب ، وأصابت سعيداً في تلك الوقعة جراحات
ثم سار حتى أناخ بموضع يقال له (هطمه) من أرض الفرات ، وبلغه أن هناك جيشاً آخر على الفرات لصاحب الزنج فقصده بجماعة من أصحابه ، فهزمهم وتفرق ذلك الجمع. قال محمد بن الحسن: فلقد رأيت المرأة من سكان الفرات تجد الزنجي مستتراً بتلك الأدغال ، فتقبض عليه حتى تأتي به عسكر سعيد ، ما به منها امتناع.

رجل يسب السلف يضرب حتى الموت:

ومن حوادث سابع رمضان سنة (258) كما قال ابن الجوزي في المنتظم (5/8)
ـ وضرب في يوم الخميس لسبع خلون من رمضان رجل يعرف بأبي فقعس، أخذ من باب العامة بسامرا ، ذكر عنه أن يسب السلف الصالح وقامت عليه البنية، فضرب ألف سوط حتى مات. لا رحمه له.


جعفر الخلدي وحكايات عجيبة:

وممن توفي في هذا اليوم السابع من شهر رمضان جعفر بن محمد أبو محمد الخواص المعروف بجعفر الخلدي .
قال عنه الخطيب في (تاريخ بغداد 7/232) سافر كثيراً في طلب العلم ولقي المشايخ الكبراء من المحدثين والصوفية ، ثم عاد إلى بغداد فاستوطنها وروى بها علماً كثيراً .
فعن الحسين بن أحمد أبي عبد الله الرازي قال :
ـ كان أهل بغداد يقولون عجائب بغداد ثلاثة: إشارات الشبلي، ونكت المرتعش، وحكايات جعفر.
كان من أقواله: كن شريف الهمة فإن الهمم تبلغ بالرجال لا المجاهدات.
كان شيخ الصوفية في زمنه محبوباً مقصوداً في كل بلد يحله. روى هبة الله الغرير قال: دخل جعفر حمص، فسألوه المقام عندهم سنة
فقال : على شريطة
قيل له: وما هي ؟؟
قال : تجمعون لي كذا وكذا ألف دينار!!
قال: فجمعوا له ما سأل
فقال : احملوها إلى الجامع . قال فجعلت على قطع ففرق كل ذلك على الفقراء فلم يأخذ منها شيئاً ثم قال:
ـ لم أكن احتاج إلى الدنانير، ولكن أردت أن أجرب رغبتكم في وقوفي عندكم.
قال ابن العماد عنه في (شذرات الذهب 1/378) صحب الخواص الجنيد وعرف بصحبته وكان المرجع إليه في علومالقوم وكتبهموحكاياتهموسيرهم،حج قريباً من ستين حجة . . . من كلامه :
- لا يجد العبد لذة المعاملة مع لذة النفس. الفتوة احتقار النفسوتعظيم حرمة المسلمين.
وقال لرجل : كن شريف الهمة فإن الهمم تبلغ بالرجل.
وقال جعفر : ودعته في بعض حجاتي فقلت له : زودني شيئاً!!
قال : إن ضاع منك شيء أو أردت أن يجمع الله بينك وبين إنسان فقل: يا جامعالنسا ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعات اجمع بيني وبين كذا وكذا فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء أو ذلك الإنسان!!
قال فما دعوت الله بتلك الدعوة في شيء إلا استجيب.
مات جعفر الخلدي سنة 348هـ لسبع خلون من شهر رمضان.
وذكر ابن العماد في (شذرات الذهب 1/378) أن أبا محمد جعفر بن محمد بن نصير البغدادي الخواص الزاهد شيخ الصوفية ومحدثهم توفي في اليوم التاسع من شهر رمضان سنة 348هـ.


مقتل القائد بدر على يد المكتفي:

ويورد الطبري (5/641) قصة مقتل أكبر قواد المعتضد وصاحب جيشه (بدر) على يد خليفته المكتفي بالله ابنه ، بسبب سعي القاسم بن عبيد ـ وهو أحد الوزراء البارزين في الدولة آنذاك ـ به وإيغار صدر الخليفة عليه.
وذلك أن القاسم بن عبيد أراد أن ينقل الخلافة إلى غير ولد المعتضد فأبى (بدر) أن يوافقه قائلاً:
ما كانت لأصرفها عن ولد مولاي الذي هو ولي نعمتي
فأضمر له القاسم الشر ، حتى إذا مات المعتضد و(بدر) القائد في فارس بعيداً عن بغداد ، واستتب الأمر للمكتفي ، عمل القاسم في هلاك (بدر) حذراً من أن يطلع المكتفي عما كان قد أراده من تحويل الخلافة عنه ، وحسن للمكتفي بالله (البداية والنهاية 11/95) قتل (بدر) هذا ، فبعث المكتفي فاحتاط على حواصله وأمواله وهو بواسط ، وبعث الوزير (القاسم بن عبيد) إليه بالأمان ، واستدرجه إلى بغداد بواسطة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف الذي رفع إليه أمان المكتفي – بعد أن أظهر التمنع وأخذ حذره -، فاستقر الأمر بين بدر القائد وأبي عمر القاضي السفير على أن يدخل (بدر) بغداد سامعاً مطيعاً..
وعبر بدر رجلة فصار إلى النعمانية وأمر غلمانه وأصحابه الذين بقوا معه أن ينزعوا سلاحهم ، حتى إذا تخلوا عنه وتفرقوا دعا الوزير القاسم بن عبيد أحد غلمان السلطان، واسمه لؤلؤ، فقال له :
ـ قد ندبتك لأمر! قال :
ـ سمعاً وطاعة . قال :
ـ امضِ ، وتسلم بدراً ، وجئني برأسه
فمضى حتى استقبل بدراً ، فقال له:
ـ قم , قال:
ـ وما الخبر ؟؟ قال :
ـ لا بأس عليك .
فمضى به في مركب في الفرات إلى جزيرة بالصافية ، فأخرجه إلى الجزيرة، وخرج معه ، ودعا بسيف كان معه فاستله ، فلما أيقن بدر بالقتل سأله أن يمهله حتى يصلي ركعتين فأمهله فصلاهما ،ثم قدمه فضرب عنقه . وأقبل راجعاً إلى المكتفي.
قال : وورد الخبر إلى المكتفي بقتل بدر لسبع خلون من شهر رمضان سنة 288 للهجرة.
وقد نعى بعض الشعراء على أبي عمر القاضي تغريره بالقائد بدر، وضمانه لسلامته، ثم تسليمه إلى الموت.


شبح يظهر ويختفي في قصر الخليفة المعتضد:

ومن غرائب الشطار وأصحاب الحيل التي يستخدمها البعض للوصول إلى محبوبته !!! قصة غريبة لها علاقة بالسابع من رمضان:
ذكر ابن الجوزي في المنتظم (5/175) قال:
ـ ظهر شخص إنسان في يده سيف في دار المعتضد بالثريا. فمضى إليه بعض الخدم لينظر من هو ، فضربه الشخص بالسيف ضربة قطع بها منطقته ووصل السيف إلى بدن الخادم ، وهرب الخادم ودخل الشخص في زرع في البستان فتوارى فيه ، فطلب لم يوقف له على أثر !!!
فاستوحش المعتضد من ذلك ورجم الناس الظنون حتى قالوا : إنه من الجن!!
ثم عاد الشخص للظهور مراراً كثيرة ، حتى وكل المعتضد بسور داره ، وأحكم عمارة السور .
وجيء في يوم السبت لسبع خلون من رمضان بالمعزمين بسبب ذلك الشخص وجيء معهم بالمجانين ، وكانوا قد قالوا: نحن نعزم على بعض المجانين فإذا سقط سأل الجني عن خبر ذلكم الشخص ... فصرعت امرأة فتشاءم المعتضد، وأمر بصرفهم.
وذكر أبو يوسف القزويني أنه لم يوقف على حقيقة ذلك إلا في أيام المقتدر، وأن ذلك الشخص كان خادماً أبيض يميل إلى بعض الجواري اللواتي في دواخل دور الخدم ، وكان قد أخذ لحىً على ألوان مختلفة ، وكان إذا لبس بعض اللحى لا يشك من رآه أنها لحية.
فكان يلبس في الوقت الذي يريده لحية منها ويظهر في ذلك الموضع وفي يده سيف أو غيره من السلاح ، فإذا طلب دخل بين الشجر وفي بعض الممرات والعطفات ، ونزع اللحية وجعلها في كمه، وبقي معه السلاح كأنه بعض الخدم الطالبين للشخص ، فلا يرتاب به أحد ، ويبادر هو فيسأل : هل رأيتم أحداً ..
وكان إذا وقع مثل هذا خرج الجواري من تلك الدور فيرى هو تلك الجارية ، ويخاطبها بما يريد ، وإنما كان غرضه مخاطبة الجارية ومشاهدتها وكلامها، ثم خرج من الدار في أيام المقتدر ، ومضى إلى طوس ، فأقام بها إلى أن مات وتحدثت الجارية بعد ذلك بحديثه.


وفاة السلطان العثماني سليم خان:

وممن توفي في اليوم السابع من شهر رمضان السلطان العثماني سليم بن سليمان.
قال ابن العماد عنه في (شذرات الذهب 4/396): وفي سنة 982هـ توفي السلطان الأعظم سليم بن سليمان ، مولده سنة 929 هـ ، وجلوسه على تخت ملكه بالقسطنطينية في يوم الاثنين لتسع مضين من ربيع الآخر سنة 974 ، ومدة سلطنته تسع سنين, وسنه حين تسلطن ست وأربعون ، وعمره كله ثلاث وخمسون سنة.
كان سليم سلطاناً كريماً رؤوفاً بالرعية رحيماً عفوّاً عن الجرائم حليماً محباً للعلماء والصلحاء , مجاهداً، من أكبر غزواته فتح جزيرة قبرس وفتح تونس وحلق الواد وفتح ممالك اليمن واسترجاعها من العصاة. ومن خيراته تضعيف صدقة الحب على أهل الحرمين، والأمر ببناء المسجد الحرام

افتتح السلطان سليم الأول جملة حصون ومدائن كانت للكفار. كان محبا لأهل الحرمين وهو أول من خـُطب له بالحرمين من آل عثمان, وهو أول من رتب لهم صدقة الحب, اشترى من ماله أرضا ً بمصر وجعل محصولها لذلك, وهو أول من اجتمع به أشراف مكة فإنه أرسل إليهم الشريف بركات ابنه الشريف اباغي فأنعم عليه وجعله شريكا ً لأبيه في الإمارة, وهو أول من أحدث المحمل الرومي, وأول من قام بكسوة الكعبة من آل عثمان من مال نفسه, وأول من ملك مصر والحجاز واليمن والشام وجميع أقطار العرب وكان ذلك تحت يد السلطان الغوري وقصته معه طويلة مذكورة في التواريخ ولما فتح حلب بالنصر خرج أهل حلب بعلمائهم وصلحائهم حاملين المصاحف الشريفة على رؤوسهم يستقبلون السلطان و يهنؤونه بالنصر ويسترحمون منه الرفق والصفح, فقابلهم السلطان بكل جميل, ودخل مدينة حلب وخـُطِبَ له فيها بلقب سلطان البرين والبحرين وخادم الحرمين الشريفين فسجد لله شاكرا ً.
ولما قصد بلاد الشام استقبله أهلها بالإعزاز والاحترام واسترحموا منه اللطف والإحسان فعاملهم بكل جميل وصلى الجمعة بجامع بني أمية وخـُطب باسمه وأمر بعمارة قبة على قبر العارف بالله الشيخ محي الدين بن عربي قدس سره وبنى مآكل للطعام.
ثم مهد الأمور في الإسكندرية ورجع إلى القاهرة فلما قصد الرجوع إلى مقر السلطة القسطنطينية أخذ بصحبته الخليفة المتوكل على الله آخر خلفاء بني العباس بمصر فأقام بقسطنطينة إلى أن كبر سنه وشاخ فاستأذن فأطلقه السلطان وأذن له بالرجوع إلى مصر وعين له ما يكفيه إلى أن توفي بها سنة (945).
وكان قد استلم السلطان سليم خان الآثار النبوية الشريفة من الخليفة المتوكل على الله وهي (اللواء والسيف والبردة الشريفة) وتسلم مفاتيح الحرمين الشريفين ومن ذلك صار السلطان سليم خان صاحب الخلافة العظمى والتخت الأسمى.
وبينما السلطان في أثناء الطريق قدم عليه شريف مكة وواليها الشريف بركات الحسني ومعه ولده الشريف أبو نمى محمد بن بركات فاجتمعا بحضرة السلطان وأخبراه أنه خُطب له بمكة المكرمة و المدينة المنورة فشكر لهما.
وكان رحمه الله ملكا ً فاضلا ً ذكيا ً عالما ً, حسن الطبع, بعيد الفور, صاحب رأي وتدبير وحزم, وكان يعرف الألسنة الثلاثة اللغة العربية والتركية والفارسية وكان أديبا ً له شعر حسن يدل على أدبه.
ولما كان بمصر كتب على رخام في حائط القصر الذي سكن فيه هذين البيتين:
الملك لله من يظفر بنيل مني يردده قهرا و يضمن بعده الدركا
لو كان لي أو لغيري قدر أنملة فوق التراب لكان الأمر مشتركا


وتوفي لسبع مضين من شهر رمضان ودفن بقرب آيا صوفيا وتولى بعده ولده السلطان مراد ، وأرخ الشعراء جلوس ابنه على العرش بقوله

بالبخت فوق التخت أصبح جالساً = ملك به رحم الإله عباده
وبه سرير الملك سُرّ فأرخوا = حاز الزمان من السرور مراده




افتتاح الجامع الأزهر للعبادة والعلم:

في السابع من رمضان عام 361هـ الموافق 971م أُقيمت الصلاة لأول مرة في الجامع الأزهر بالقاهرة، وهكذا صار الأزهر جامعًا وجامعة، جامعًا للعبادة، وجامعةً للعلم.
وهو من أقدم الجامعات بالعالم.
جلس قاضي القضاة "أبو الحسن علي بن النعمان القيرواني" بالجامع الأزهر في جمع حافل من العلماء والكبراء يقرأ مختصر أبيه في فقه آل البيت، فكانت هذه أول حلقة للدرس بالأزهر، وذلك في صفر من سنة 365 هـ = أكتوبر 975 م في أواخر عهد الخليفة "المعز لدين الله" الفاطمي أول خلفاء الدولة الفاطمية بمصر.
ثم توالت حلقات بني النعمان بالأزهر بعد ذلك، وكانوا من أكابر علماء المغرب الذين اصطفتهم الدولة الفاطمية وخصتهم بعنايتها، ومن ثم لحقوا بها في مصر، وشغلوا مناصب القضاء زهاء نصف قرن.
]
من الجامع إلى الجامعة

ثم خطا الأزهر خطوة واسعة ليكون جامعة تُعنْى بتدريس العلوم الشرعية واللغوية إلى جانب كونه مسجدا جامعا للناس؛ ففي أوائل عهد "العزيز بالله" الفاطمي في رمضان 369هـ – مارس 980 م جلس الوزير "يعقوب بن كلس" يلقي دروسا في الفقه الشيعي من كتاب ألفه يسمى "الرسالة الوزيرية"، وكان يحضر دروسه القضاة وكبار رجال الدولة والفقهاء.
وظل الأمر على هذا النحو حتى تقدم الوزير النابه باقتراح إلى الخليفة الفاطمي باتخاذ الجامع الأزهر معهدا للدراسة المنظمة المستمرة، وذلك في سنة 378 هـ = 988م، ويتلخص مشروعه في أن تقوم الدولة باختيار عدد من الطلاب للقراءة والدرس في الأزهر بصفة دائمة، وتلتزم الدولة بأن تَكفلهم وترعاهم وتقدم لهم رواتب مجزية تُصرف لهم بانتظام وتعد لهم دارًا للسكنى على مقربة من الجامع الأزهر.
وقد استجاب الخليفة الفاطمي لاقتراح وزيره فأمر بتعيين خمسة وثلاثين طالبا كان الوزير قد اختارهم وعين لهم مسئولا يتولى تدبير شئونهم. وكان هؤلاء موضع عناية الخليفة، فخلع عليهم عطاياه في عيد الفطر، وأمر بأن يستقلوا البغال في تنقلاتهم تشريفا لهم وتكريما.
وكان مشروع ابن كلس النواة التي أثمرت وأينع غرسها، وأصبحت من الركائز التي قامت عليها الحلقات الدراسية والنظام الطلابي في الأزهر على امتداد يتجاوز الألف عام، وإن كان قد طرأ تطوير على تلك النظم، فإنه لا يغيّر من أصل الفكرة كثيرا؛ لأنه من قبيل تطور الحياة وسير عجلة الزمن التي لا تتوقف عن الحركة.
واستمر الأزهر في تقدمه أيام الدولة الفاطمية، واتسعت حلقاته، وتنوعت دراسته، وزاد عدد طلابه حتى تجاوز الألف، وشمل النساء فكانت هناك مجالس تعقد للنساء يحضرن فيه لسماع دروس العلم.. واجتذب الأزهر عددا كبيرا من العلماء للتدريس فيه.

الأزهر في ظل الأيوبيين

قامت الدولة الأيوبية في مصر سنة 567 هـ = 1171 م على أنقاض الدولة الفاطمية وعملت على إلغاء المذهب الشيعي وتقوية المذهب السني وذلك بإنشاء مدراس جديدة لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة مثل: المدرسة الناصرية لتدريس الفقه الشافعي، والمدرسة القمحية لتدريس الفقه المالكي وعرفت بهذا الاسم لقيامها بتوزيع القمح على شيوخها وطلابها، والمدرسة السيفية لتدريس الفقه الحنفي واشتهرت بهذا الاسم لأنها كانت تطل على سوق السيوفيين بالقاهرة.
وأغرى عناية الدولة بهذه المدارس وإغداق الأموال على القائمين عليها أن انتقل إليها الشيوخ والمدرسون وطلاب العلم؛ الأمر الذي أدى في النهاية إلى فتور الإقبال على الأزهر وضعف الحركة العلمية فيه.

المماليك والجامع الأزهر

استرد الأزهر عافيته في عهد الدولة المملوكية واستعاد مكانته العالية وتجددت عمارته وأثاثه، وأقيمت فيه صلاة الجمعة لأول مرة بعد انقطاع دام نحوا من ثمان وتسعين سنة هجرية وذلك في (18 من ربيع الأول 665 هـ= 17 من ديسمبر 1267م) وكان يوما مشهودا في عهد السلطان بيبرس.
وأصبح الأزهر منذ القرن الثامن الهجري مقصد العلماء والطلاب من سائر أنحاء العالم الإسلامي بعد أن قضى التتار على بغداد حاضرة الخلافة الإسلامية، وسقطت قرطبة وغيرها من حواضر العالم الإسلامي في أيدي النصارى في الأندلس. وتبوأ نوعا من الزعامة الفكرية والثقافية وحفلت القاهرة بفضله في تلك الحقبة بجماعة من العلماء من أمثال: النويري صاحب نهاية الأرب، وابن منظور صاحب لسان العرب، والقلقشندي صاحب صبح الأعشى، وابن خلدون صاحب المقدمة، وابن حجر العسقلاني صاحب فتح البارى بشرح صحيح البخاري وغيرهم.

الأزهر في ظل الدولة العثمانية

احتفظ الأزهر بمكانته المرموقة في عهد الدولة العثمانية التي تعهدت مبانيه بالإصلاح والترميم وبإضافة منشآت جديدة إليه وزيادة أروقته وإمداده بما يحتاجه الدارسون من كتب ووسائل معيشية، وحرصت على عدم المساس بالأراضي الزراعية التي أوقفها الناس للإنفاق من ريعها عليه.
وشهد الأزهر لأول مره في تاريخه إنشاء منصب شيخ الأزهر. ويجمع المؤرخون على أن أول من تقلّد هذا المنصب هو الشيخ "محمد بن عبد الله الخرشي" المالكي المتوفى سنة 1101 هـ= 1690م، وكان اختياره يتم دون تدخل من الدولة فإذا اجتمعت كلمة العلماء على اختيار واحد منهم لهذا المنصب الرفيع أبلغوا به الوالي الذي يتولى تقليد شيخ الأزهر الرداء الرسمي.

الأزهر يقود الثورة


ثورة القاهرة الأولى
تحمل الأزهر تبعات الزعامة الوطنية وقيادة الأمة والوقوف أمام المعتدي حين تعرضت مصر سنة 1213 هـ= 1798 م للحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت؛ فلم ينخدع علماء الأزهر بمحاولات التودد وإظهار التبجيل والتقدير الذي أبداه قائد الحملة نحوهم، حيث أشعلوا ثورة القاهرة الأولى في 11 من جمادى الأولى 1213 هـ = 21 من أكتوبر 1798 م والتي هاجمت الجنود الفرنسيين وفتك بهم الثوار، ولم تهدأ الثورة إلا بعد أن ضربوا الأزهر والجهات المحيطة به بالمدافع واحتلوا الجامع بخيولهم وبالوا فيه، وألقوا بالمصاحف على الأرض وداسوا عليها بأحذيتهم، وسلبوا ما وجدوا من أموال الطلبة في أروقة الأزهر، وقبضوا على عدد من مشايخ الأزهر المتهمين بالتحريض على الثورة وأعدموا بعضهم.
استمر الأزهر على موقفه من التحدي ومقاومة المستعمر بشتى الوسائل الممكنة؛ فاشترك في ثورة القاهرة الثانية التي اشتعلت في 16 شوال 1214هـ = 20 مارس 1800م ودامت 33 يوما، وكان من زعمائها من مشايخ الأزهر: محمد السادات، وعمر مكرم.. ورأى كليبر القائد العام للحملة بعد رحيل نابليون أن يستعين بعلماء الأزهر للتوسط بينه وبين زعماء الثورة، غير أن هذه الوساطة لم تلق نجاحا وقام كليبر بضرب العاصمة بكل وحشية حتى استسلمت.
وفي أثناء ذلك أقدم "سليمان الحلبي" وهو أحد طلبة الأزهر باغتيال كليبر أثناء تجوله في حديقة منزله وذلك في 21 محرم 1121 هـ= 14 يونيو 1800م، وأسفر التحقيق عن سؤال عدد من الشيوخ والأساتذة والقبض على عدد منهم وانتهت محاكمتهم إلى إعدام سليمان الحلبي وثلاثة ممن كانت لهم به صلات قبل إقدامه على عملية الاغتيال.

إغلاق الجامع الأزهر
وبعد الحادث قام الفرنسيون باتخاذ إجراءات أمن مشددة في الأزهر فقاموا بإحصاء الطلبة وكتبوا أسماءهم في قوائم وأمروا بحفر بعض الأماكن بداخل الجامع بحجة التفتيش على الأسلحة وأخرجوا منه الطلاب العثمانيين والشوام. وأحس القائمون على الأزهر أن سلطات الاحتلال الفرنسي تبيّت أمرا فرأوا تفويت الفرصة عليهم، وذلك لأن بقاء الجامع مفتوحا في مثل هذه الظروف العصيبة لا يخلو من أخطار؛ فرأى شيخ الأزهر "عبد الله الشرقاوي" ومن معه من كبار العلماء إيقاف الدراسة في الأزهر، وتعطيل الصلاة فيه فتم إغلاق المسجد وتسمير أبوابه من جميع الجهات.
وظل الأزهر مغلقا زهاء عام حتى إذا أعلنت أنباء شروع الفرنسيين في الجلاء عن مصر بادر القائمون عليه بتنظيفه وفتح أبوابه في 19 من صفر 1216 = 2 من يوليو 1801م، وحرص الصدر الأعظم "يوسف ضياء باشا" على زيارة الجامع وتفقد أحواله وسير الدراسة فيه عقب افتتاحه.. وعادت الحياة العلمية والدينية إلى الجامع، وتدفق طلبته إلى أروقته يتلقون دروسهم، ومضى الأزهر في طريقه المرسوم لخدمة الدين والعربية.

من مصادر الدراسة

عبد الرحمن الجبرتي – عجائب الآثار في التراجم والأخبار – دار الجيل – بيروت.
عبد العزيز محمد الشناوي – الأزهر جامعا وجامعة – مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة – 1984.
محمد عبد الله عنان – تاريخ الجامع الأزهر – مكتبة الخانجي – القاهرة – 1378هـ – 1958.
علي عبد العظيم- مشيخة الأزهر منذ إنشائها حتى الآن منشورات مجمع البحوث الإسلامية القاهرة 1398هـ – 1978م.



القاهرة تصبح حاضرة الدولة الفاطمية:

في اليوم السابع من رمضان عام 632هـ، أصبحت (القاهرة)، حاضرة الدولة الفاطمية حيث أعلن الخليفة المعز (القاهرة) عاصمة لدولته بعد أن كانت مدينة (المهدية) هي حاضرة الدولة الفاطمية.

منذ أن أقام الفاطميون دولتهم في المغرب ورسخت أقدامهم فيها وهم يتطلعون إلى فتح مصر، وتكررت محاولاتهم لتحقيق هذا الحلم منذ سنة (301هـ= 913م) غير أنها لم تلق نجاحًا، وكلما أخفقت محاولة أردفوها بأخرى دون ملل أو يأس، حتى إذا تولى المعز لدين الله الفاطمي أمر الدولة عزم على فتح مصر أقدم على عمل ما يعينه على ذلك، فأصلح الطرق المؤدية إليها وحفر الآبار، وأقام الاستراحات لجنده على مسافات منتظمة، ثم اختار لأداء هذه المهمة واحدًا من أكفأ قادته وأمهرهم، وهو جوهر الصقلي، الذي نجح فيما فشل فيه غيره، وصنع لنفسه مجدًا لا يبليه الدهر؛ ففتح مصر، وأقام عاصمة هي القاهرة، وأنشأ مسجدًا هو الجامع الأزهر.

وهذا القائد النابه أصله من صقلية، ولد بها سنة (312هـ= 924م) ولا يذكر التاريخ شيئًا عن حياته الأولى، ثم انتقل إلى القيروان والتحق بخدمة الخليفة المعز لدين الفاطمي، فلما توسم فيه الذكاء والفطنة عني بتثقيفه وتعليمه وتدريبه في مجالات مختلفة، فلم يخيب ظنه، وأظهر نبوغًا فيما أسند إليه من أعمال، فكافأه الخليفة الذي يعرف قدر الرجال بما يستحق، وأسند إليه القيام بالأعمال الكبيرة حتى صار كاتبه في سنة (341هـ=952م)، ثم ولاه قيادة حملته لفتح بلاد المغرب سنة (347هـ= 958م)؛ فنجح في مهمته واستولى على مدينة "فاس" سنة (349هـ= 960م) وبلغ ساحل المحيط الأطلسي، ولم يكتف بالفتح والغزو بل استطاع أن ينشر الأمن والسلام فيما فتح وأن يوطد أركان الدولة في هذه النواحي.

غزو مصر

ولما عزم المعز لدين الله على الاستيلاء على مصر، وكان قد استعد لذلك لم يجد خيرًا من قائده المحنك جوهر الصقلي ليقوم بهذه المهمة، وجعل تحت قيادته مائة ألف أو ما يزيد من الجنود والفرسان، بالإضافة إلى السفن البحرية. وخرج المعز لدين الله الفاطمي في وداع جيشه الكبير في (14 من ربيع الأول 358هـ= 4 من فبراير 969م) فبلغ برقة بليبيا.
استأنف الجيش المسير حتى وصل إلى الإسكندرية؛ فدخلها دون مقاومة، ومنع جوهر الصقلي جنوده من التعرض لأهلها، وأمرهم بالتزام الهدوء والنظام، مستهدفًا من ذلك التقرب من المصريين والتودد إليهم، وكانت مصر في هذه الفترة تمر بمرحلة عصيبة؛ فالأزمة الاقتصادية تعصف بها، والخلافة العباسية التي تتبعها عاجزة عن حمايتها بعد أن أصبحت بغداد أسيرة لنفوذ البويهيين الشيعة، ودعاة الفاطميين يبثون دعوتهم في مصر ويبشرون أتباعهم بقدوم سادتهم، وجاءت وفاة كافور الإخشيد سنة (357هـ= 968م) -وكانت بيده مقاليد مصر- لتزيل آخر عقبة في طريق الفاطميين إلى غايتهم المأمولة.

الطريق إلى الفسطاط

ولما علم أهل الفسطاط بقدوم الفاطميين اختاروا واحدًا من كبار العلويين بمصر هو "أبو جعفر مسلم" على رأس وفد، ليفاوض القائد الفاتح ويطلب الصلح والأمان، فالتقى الوفد به عند قرية "أتروحة" على مقربة من الإسكندرية في (18 من رجب 358هـ= 18 من يونيو 969م) فأجاب جوهر طلب الوفد، وكتب عهدًا تعهد فيه بأن يطلق للمصريين حرية العقيدة على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، وأن ينشر العدل والطمأنينة في النفوس، وأن يقوم بما تحتاجه البلاد من ضروب الإصلاح.
غير أن أنصار الإخشيديين رفضوا عهد الأمان وعزموا على القتال، إلا أنهم لم يثبتوا في المعركة التي دارت بينهم وبين جوهر في "الجيزة" في (16 من شعبان 358هـ= 5 من يوليو 969م)، واضطر أهالي الفسطاط إلى تجديد طلب الأمان من جوهر بعد هزيمة الإخشيديين، فقبل جوهر الصقلي التماسهم، وأذاع على الجند بيانًا حرّم فيه أن يقوموا بأعمال العنف والنهب؛ فهدأت النفوس واطمأن الناس وعاد الأمن إلى نصابه، وفي اليوم التالي دخل جوهر عاصمة البلاد إيذانًا ببدء مرحلة جديدة في تاريخ مصر والشام.


بناء القاهرة والجامع الأزهر

وما كاد يستقر الأمر لجوهر الصقلي حتى بدأ في إنشاء عاصمة جديدة لدولته الفتية، ووضع أساسًا لها في الشمال الشرقي للفسطاط، فبنى سورًا خارجيًا من الطوب اللبن يحيط بمساحة تبلع 340 فدانًا، جعل سبعين منها للقصر الكبير مقر الحكم والسلطان، وخمسة وثلاثين فدانًا للبستان، ومثلها للميادين، وتوزعت المساحة المتبقية -وقدرها مائتا فدان- على القبائل الشيعية والفرقة العسكرية، حيث اختارت كل منها مكانًا خاصًا بها عرفت به مثل زويلة، وكان ذلك نواة لعاصمة الدولة الفاطمية في المشرق، التي سميت في بادئ الأمر بالمنصورية، ثم عرفت بعد ذلك بالقاهرة.
ثم شرع الصقلي في نشر المذهب الشيعي في مصر، فألغى الخطبة للخليفة العباسي، وألغى لباس السواد شعار العباسيين، وزاد في الأذان عبارة "حي على خير العمل"، وأمر بالجهر بالبسملة في قراءة القرآن في الصلاة، وزيادة القنوت في الركعة الثانية من صلاة الجمعة، وأن يقال في خطبة الجمعة: "اللهم صل على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وفاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا"، وكان هذا إيذانا بترك المذهب السني في مصر. وتأكيدًا لهذا قام جوهر بإنشاء الجامع الأزهر الذي بدأ العمل فيه في (24 من جمادى الأولى 359هـ= 4 من إبريل 970م).


سياسة التمكين

وسعى جوهر لدعم الفاطميين في مصر وتثبيت نفوذهم، مستعينًا بسياسة هادئة، فعمل على تمكينهم من الجهاز الإداري والسيطرة على الوظائف الكبيرة في الدولة، فلم يدع عملا إلا جعل فيه مغربيًا، وفي الوقت نفسه بدأ في اتخاذ عدة إصلاحات لمعالجة الأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد، وتخفيف حدة المجاعة التي أصابتها بسبب نقص الحبوب، وأمده المعز لدين الله بالسفن المحملة بالغلال، ووضع نظامًا دقيقًا لجمع الضرائب يقوم على العدل والإنصاف، وأثمرت هذه السياسة عن استقرار واضح للفاطميين في البلاد.
ثم تطلع جوهر إلى تأمين حدود مصر الشمالية بعد أن اطمأن إلى جبهته الداخلية المتماسكة، فنجح في ضم الشام بعد جهود مضنية، وكانت السيطرة على الشام تمثل هدفًا إستراتيجيًا لكل نظام يتولى الحكم في مصر، كما نجح في رد غارات القرامطة الذين حاولوا الاستيلاء على القاهرة، وألحق بهم هزيمة ساحقة سنة (361هـ= 971م) في منطقة عين شمس.


الخليفة الفاطمي في القاهرة

ولما رأى جوهر الصقلي أن الوقت قد حان لحضور المعز لدين الله لتولي الأمور في مصر كتب إليه يدعوه إلى الحضور؛ فخرج المعز من "المنصورية" عاصمته في بلاد المغرب، وكانت تتصل بالقيروان، فوصل القاهرة في (7 من رمضان 362هـ= 11 من يونيو 972م)، وأقام في القصر الذي بناه جوهر، وخرج في اليوم الثاني لاستقبال مهنئيه.
وعقب وصول الخليفة الفاطمي عزل جوهر الصقلي عن دواوين مصر، واختفى جوهر عن الحياة، فلم يعهد إليه الخليفة بمهام جديدة، حتى إذا ظهر خطر القرامطة في بلاد الشام وباتوا خطرًا محدقًا بالدولة استعان المعز لدين الله بقائده النابه جوهر في سنة (364هـ= 974م) لدفع هذا الخطر، ثم عاد إلى الاختفاء ثانية.


الأيام الأخيرة

وظل جوهر الصقلي بعيدًا عن تولي المناصب حتى وفاة المعز لدين الله وتولي ابنه العزيز بالله الفاطمي، إلى أن عاد الخطر القرمطي في الظهور من جديد في الشام، ولم يجد الخليفة العزيز بدًا من الاستعانة به مرة أخرى؛ اعترافًا بكفاءته وقدرته، فتولى قيادة القوات الفاطمية التي زحفت إلى بلاد الشام، حتى إذا تحقق النصر وزال خطر القرامطة عاد من جديد إلى الاختفاء، ولزم بيته حتى توفي في (20 من ذي القعدة 381هـ= 28 من يناير 992م) بعد أن حكم مصر أربع سنوات نيابة عن الخليفة الفاطمي في مصر، وهي تعد من أهم فترات التاريخ الفاطمي في مصر؛ حيث نجح بسياسته الهادئة وحسن إدارته من إحداث التغييرات المذهبية والإدارية التي هيأت الاستقرار للدولة الجديدة، وعبّرت عن مظاهر سيادتها.


دراسة لأحمد تمام
من مصادر الدراسة:
• ابن خلكان: وفيات الأعيان- تحقيق إحسان عباس- دار صادر- بيروت- (398هـ= 1978).
• المقريزي: اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا- تحقيق جمال الدين الشيال، ومحمد حلمي- المجلس الأعلى للشئون الإسلامية- القاهرة- 1993.
• علي إبراهيم حسن: تاريخ جوهر الصقلي- مكتبة النهضة المصرية- القاهرة- 1963م.
• أيمن فؤاد السيد: الدولة الفاطمية بمصر- الدار المصرية اللبنانية- القاهرة (1413هـ=1992م)
• حسن إبراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية- مكتبة النهضة المصرية- بالقاهرة- 1958م.



عدوان إسرائيلي على قرية نحالين:

وما لا يغيب عن الذاكرة أنه في يوم الخميس السابع من رمضان من عام 1409هـ (1989م) اقتحمت قوة من حرس الحدود والجيش الإسرائيلي قرية (نحالين) وباغتت سكانها أثناء تأديتهم لصلاة الفجر، وأطلقت عليهم النار، مما أدى إلى استشهاد أربعة وجرح أكثر من اثنين وخمسين بينهم نساء وأطفال وشيوخ بعضهم جراحه خطيرة ... ولا حول ولا قوة إلا بالله.


يتبع

رد مع اقتباس
  #8  
قديم July 15, 2013, 03:29 AM
 

8 رمضان




الخروج لغزوة بدر:

في اليوم الثامن من رمضان في السنة الثانية تحرك النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه قافلة قريش الكبيرة القادمة من الشام محملة بالأموال والأقوات.
قال في البدء والتاريخ (4/186) :
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لثمان خلون من شهر رمضان، وبعث بعدي بن أبي الزغباء وبسبس بن عمرو يتجسسان خبر أبي سفيان، فجاءا حتى نزلا ببدر فوجدا الخبر بأن العير ستقدم غدا أو بعد غد، فانصرفا بالخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأقبل أبو سفيان حتى وقف على مناخهما ففتَّ أبعار بعيريهما فقال:
ـ علائف يثرب والله.!!
فانصرف وضرب وجه العير عن الطريق وساحَلَ به ، ونزل بدراً على سيارة (مر بسرعة) وأرسل إلى قريش :
ـ إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم وقد نجاها الله فارجعوا .
فقال أبو جهل : لا نرجع والله حتى نرد بدراً ـ وكان موسماً من مواسم العرب ـ فنعكف عليها ، وننحر الجزور ، ونسقى الخمور وتعزف علينا القيان ، وتسمع العرب بنا وبمسيرنا هذا ، فلا يزالون يهابوننا أبداً.
فرجع طالب بن أبي طالب والأخنس بن شريق في مائة (من قريش) وسار الباقون وهم تسعمائة وخمسون رجلا من أشراف قريش وأعلام العرب ، حتى نزلوا بالعدوة القصوى من وادي بدر.


غزوة تبوك (العسرة) :

في الثامن من شهر رمضان 9هـ الموافق 18ديسمبر 630م كانت غزوة تبوك، وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوة في الشهر نفسه بعد أن أيده الله تعالى فيها تأييدًا كبيرًا.

فبعد استقرار الوضع الداخليّ في مكّة ، توجّه النبي - صلى الله عليه وسلم – بالنظر إلى الخارج لإكمال مهمّة الدعوة والبلاغ ، خصوصاً وأنّ الأنباء كانت قد وصلت إليه أنّ الروم بدأت بحشد قوّاتها لغزو المسلمين ، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم – أن يبادرهم بالخروج إليهم ، في غزوة عرفها التاريخ باسم " غزوة تبوك " .
وقد جاءت تسمية هذه الغزوة من " عين تبوك " التي مرّ بها المسلمون وهم في طريقهم إلى أرض الروم ، وسُمّيت أيضاً بــ" غزوة العسرة " لما اجتمع فيها من مظاهر الشدّة والعسرة، حيث حرارة الجوّ ، وندرة الماء ، وبعد المكان ، وفوق هذا وذاك كان المسلمون يعيشون حالة من الفقر وضيق الحال ، وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الحال في قوله تعالى : { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة } ( التوبة : 117 ) .
ونظراً لتلك الظروف الصعبة ، استقرّ رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - على التصريح بجهة الغزو على غير عادته ، وذلك لإدراكه بعد المسافة وطبيعة العدوّ وحجم إمكاناته ، مما يُعطي الجيش الفرصة الكاملة لإعداد ما يلزم لهذا السفر الطويل ، إضافةً إلى إن وضع الدولة الإسلامية قد اختلف عن السابق ، حيث تمكّن المسلمون من السيطرة على مساحاتٍ كبيرةٍ من الجزيرة العربية ، ولم يعد من الصعب معرفة وجهتهم القادمة .
وهكذا أعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - النفير ، وحث الناس على الإنفاق في سبيل الله قائلاً : ( من جهّز جيش العسرة فله الجنة ) رواه البخاري ، فاستجاب الصحابة لندائه ، وضربوا أروع الأمثلة في البذل والعطاء ، فأما عثمان بن عفان رضي الله عنه فانطلق مسرعاً إلى بيته وأخذ ألف دينار ووضعها بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتكفّل بثلاثمائة بعير بكامل عدّتها ، فاستبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - من فعله وقال : ( ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم ) رواه الترمذي .
وحاول عمر بن الخطاب أن يسبق أبا بكر فأتى بنصف ماله ، وإذا بأبي بكر رضي الله عنه يأتي بكل ما عنده دون أن يُبقي لأهله شيئاً ، فقال عمر رضي الله عنه : " والله لا أسابقك إلى شيء أبداً " .
وتصدّق عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بألفي درهم ، إلى جانب الصدقات العظيمة التي قدّمها أغنياء الصحابة كالعباس بن عبد المطلب ، و طلحة بن عبيد الله ، و محمد بن مسلمة ، و عاصم بن عدي ، رضي الله عنهم أجمعين .
وكان لفقراء المسلمين نصيبٌ في الصدقة ، حيث قدّموا كل ما يملكون في سبيل الله مع قلّة ذات اليد ، فمنهم من أتى بصاعٍ من تمر ، ومنهم من جاءّ بنصف صاعٍ أو أقلّ .
ووقف علبة بن زيد رضي الله عنه ينظر إلى جموع المسلمين ، وهي تتسابق على الإنفاق والصدقة ، والحسرة تملأ فؤاده حيث لم يجد ما يتصدّق به ، فلما جاء الليل وقف يصلّي ويبكي ، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: " اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ، ورغّبت فيه ، ثم لم تجعل عندي ما أتقوّى به مع رسولك ، وإني أتصدّق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض " ، وفي الصباح سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( أين المتصدق هذه الليلة ؟ ) ، فلم يقم أحد ، فأعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - مرّة أخرى فلم يقم إليه أحد ، فشعر علبة رضي الله عنه أنه المقصود بذلك ، فقام وأخبره الخبر ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أبشر ، فوالذي نفس محمد بيده لقد كُتبت في الزكاة المتقبلة ) .
واستغلّ المنافقون هذه المواقف المشرّفة للسخرية من صدقات الفقراء ، والتعريض بنوايا الأغنياء ، وقد كشف القرآن عن خباياهم فقال سبحانه : { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ، والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذاب أليم } ( التوبة : 79 ) .
كما حاولوا أن يصدّوا الناس عن الخروج ، بالترهيب من لقاء العدوّ تارةً ، والترغيب في الجلوس والإخلاد إلى الراحة تارةً أخرى ، خصوصاً أن الغزوة كانت في وقت شدّة الحرّ وطيب الثمر .
ولم يتوقّف كيد المنافقين عند هذا الحدّ ، بل قاموا ببناء مسجد في أطراف المدينة ليكون مقرّاً لهم ، يدّبرون فيه المؤامرات للقضاء على الإسلام وأهله ، وطلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلّي فيه كنوعٍ من التمويه والخداع ، لكنّ الله بيّن لنبيّه حقيقة نواياهم ، ونهاه عن الصلاة في مسجدهم .
واجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثون ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وغيرهم من أبناء القبائل العربيّة ، ودفع باللواء إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وقام بتقسيم الجيش إلى عددٍ من الألوية ، وعيّن على كلٍ منها قائداً ، ثم استخلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليقوم برعاية أهله , فشقّ عليه أن تفوته هذه الغزوة ، فذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأذنه في الخروج ، فقال له عليه الصلاة والسلام: ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ ، غير أنه لا نبي بعدي ) رواه البخاري .
وجاء الفقراء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلبون منه أن يعينهم بحملهم إلى الجهاد ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يعتذر بأنّه لا يجد ما يحملهم عليه من الدوابّ ، فانصرفوا وقد فاضت أعينهم أسفاً على ما فاتهم من شرف الجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فخلّد الله ذكرهم إلى يوم القيامة ، وأنزل فيهم قوله: { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } ( التوبة : 91 – 92 ) ، وكانت رغبتهم الصادقة في الخروج سبباً لأن يكتب الله لهم الأجر كاملاً ، فقد جاء في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ؛ حبسهم العذر ) .
أما المنافقون فقد تخلّف معظمهم عن الغزو ، وقاموا بادّعاء الأعذار الكاذبة ، فمنهم من اعتذر بعدم القدرة على السفر ، ومنهم من اعتذر بقلّة المتاع ،ومنهم من اعتذر بشدّة الحرّ ، ومنهم من اعتذر بإعجابه بالنساء ، وخوف الفتنة بنساء الروم ، فقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - أعذارهم ، وأنزل الله آياتٍ في سورة التوبة تفضح أمرهم ، وتكشف حقيقة كذبهم ، وتنذرهم بالعذاب الأليم .
وانطلق الجيش بقيادة النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو الشمال ، وفي الطريق مرّوا على ديار ثمود ، فسارع بعض المسلمين ليروا مساكنهم ، ويقفوا على آثارهم ، وبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا الناس ثم قال لهم : ( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، إلا أن تكونوا باكين ؛ حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم ) ، ثم أمرهم بالإسراع في الخروج ، فأخبره الصحابة أن بعضهم قد تزوّدوا بالماء للشرب وصنع العجين ، فأمرهم بإراقة ذلك الماء ، وإطعام العجين للدواب ، إلا أنه استثنى ما أخذوه من بئر ناقة صالح عليه السلام .
وبدأت المعاناة بسبب نقص المياه ، وشدّة الحرارة ، وقلّة الرواحل ، حتى إن البعير الواحد كان يتناوب عليه الجماعة من الرجال ، واضطرّ بعضهم إلى أكل أوراق الشجر ونحر الإبل ليشربوا ما في بطونها ، وبعد أن بلغ بهم الجهد مبلغاً عظيماً شكوا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فدعا ربّه بنزول المطر ، ولم يكد ينتهي من دعائه حتى أمطرت السماء وارتوى الناس ، وكانت هذه المعجزة تثبيتاً للمؤمنين وتخفيفاً لمعاناتهم .
وكان أبو ذرّ الغفاري رضي الله عنه قد تأخّر عن الجيش ، فبحث عن راحلةٍ تمكّنه من اللحاق بهم ، فلم يجد سوى راحلةٍ هزيلة ، فلما أبطأت به وخشي أن يتأخّر ، أخذ متاعه وحمله على ظهره ، ومشى على قدميه حتى اقترب من الجيش ، فرآه أحد الصحابة فقال : " يا رسول الله ، هذا رجلٌ يمشي على الطريق " ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( كن أبا ذر ) ، فلمّا تأمّله القوم قالوا : " يا رسول الله ، هو والله أبو ذرّ " ، فقال عليه الصلاة والسلام: ( رحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويُبعث وحده ) رواه الحاكم .
وكان ممن تخلف عن الغزو في أوّل الأمر ، أبو خيثمة الأنصاري رضي الله عنه ، حيث لم يستطع أن يحمل نفسه على الخروج ، وفي يومٍ من الأيام دخل بستاناً له ، ورأى زوجتيه وهما يعدّان له المكان الظليل والماء البارد ، فاستيقظ ضميره ، وعاتب نفسه ، كيف يجلس في الظلّ والنعيم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعاني شدّة الحرّ ومشقّة الطريق ؟ ، فندم وأخذ سلاحه وركب دابّته، حتى أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك ، وذهب إليه معتذراً , فعاتبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما كان منه ، ثم عفا عنه ودعا له بخيرٍ .
وعندما وصل الجيش إلى تبوك ، لم يجدوا أثراً للروم أو القبائل الموالية ، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - سريّةً بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى دومة الجندل ، وغنموا عدداً كبيراً من المتاع والأنعام ، واستطاعوا أن يأسروا ملكها " أكيدر بن كندة " ، وأتوا به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فصالحه على دفع الجزية ، ثم أطلق سراحه .
ومكث النبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك عشرين يوماً ، يستقبل الوفود التي جاءت للمصالحة ودفع الجزية من أهل " جرباء وأذرح "وغيرهما ، وكان منهم وفد ملك " أيلة " الذي بعث بهديّةٍ من كساء وبغلة بيضاء ، فقبلها النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وبعد أن تحقّق المقصود من الغزو ، عاد الجيش الإسلاميّ إلى المدينة ، فلما اقترب منها خرجت جموع النساء والأطفال لاستقبال النبي - صلى الله عليه وسلم - والاطمئنان على سلامته ، ثم توجّه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مسجده وصلّى فيه ركعتين ، ثم جلس مع الناس ، وجاءه المنافقون يعتذرون إليه ، فقبل أعذارهم وأوكل سرائرهم إلى الله ، وحضر إليه الثلاثة الذين خُلّفوا عن المعركة فلم يقبل أعذارهم ، ونهى الناس عن مخالطتهم والكلام معهم ، حتى أنزل الله توبتهم .
هذه هي أحداث آخر غزوة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، استطاع من خلالها إسقاط هيبة الروم ، وتوطيد سلطان الإسلام في الجزيرة ، وإيصال رسالة إلى قبائل العرب بمقدار القوّة التي بلغها المسلمون ، الأمر الذي كان له أعظم الأثر في استجابتهم لدعوة الحق وقبولهم للإسلام بعد ذلك .




عرس المأمون على بوران:

وفي اليوم الثامن من رمضان سنة 210هـ بدأت مراسم وحفلات عرس لم تشهد الدنيا له مثيلاً من قبل !!! إنه حفل زواج الخليفة العباسي المأمون ببوران بنت وزيره الحسن بن سهل ، الذي سارت بذكره الركبان واعتبر أحد الأعراس التاريخية النادرة.
قال الطبري (5/172) وابن الجوزي (المنتظم 10/216) وفي هذه السنة بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل ، وقد شخص المأمون من بغداد إلى معسكر الحسن بن سهل بفم الصلح راكبا زورقاً ، حتى أرسى على باب الحسن وكان العباس بن المأمون قد تقدم أباه على الظهر (الخيل) فتلقاه الحسن خارجاً عسكره في موضع قد اتخذ له على شاطىء دجلة بني له فيه جوسق (قاعة) فلما عاين ابنُ الخليفة العباسُ بن المأمون الوزيرَ الحسن بن سهل ثنى رجله لينزل عن دابته ، فقال له الحسن:
ـ بحق أمير المؤمنين لا تنزل . واعتنقه وهو راكب.
ووافى المأمون بعد ذلك وقت العشاء ، فلما كان في الليلة الثالثة دخل على بوران وابتنى بها ليلته ، ونثرت عليه جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب ، وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منّا في تور ذهب ، وأقام المأمون عند الحسن سبعة عشر يوما يعد كل يوم يوم ولجميع من معه جميع ما يحتاج إليه. وخلع الحسن والد بوران على القواد على مراتبهم، وحَمَلهم ووصلهم ، وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم .


وذكر بعض الرواة أن الحسن بن سهل كتب رقاعاً فيها أسماء ضياعه ونثرها على القواد ، وعلى بني هاشم فمن وقعت في يده رقعة منها فيها اسم ضيعة أعطاه إياها...
فلما انصرف المأمون شيعه الحسن ثم رجع إلى فم الصلح.
وعن محمد بن موسى الخوارزمي قال: خرج المأمون نحو الحسن بن سهل إلى فم الصلح لثمان خلون من رمضان ، ورحل من فم الصلح لتسع بقية من شوال سنة عشر ومائتين.


هزيمة قاسية للقائد العباسي زهير بن المسيب:

وتذكر كتب التاريخ (تاريخ ابن خياط 1/467) ان زهير بن المسيب وكان من كبار قواد العباسيين الذين انتصروا في معارك عديدة لحقت به في يوم الثامن من رمضان هزيمة غير متوقعة.
يقول الطبري في تاريخه (5/122) في سنة 199هـ وجه الحسن بن سهل وزيرُ المأمون زهيرَ بن المسيب في أصحابه إلى الكوفة التي كان ابن طباطبا قد أخذها من واليها سليمان بن أبي جعفر المنصور ، فلما بلغ الخبر الحسن بن سهل عنف سليمان وضعفه ، ووجه زهير بن المسيب في عشرة آلاف فارس وراجل.
فلما توجه إلى الكوفة وبلغ أهلها خبر شخوصه إليهم ، فلم تكن لهم قوة على الخروج للقائه ، فأقاموا حتى إذا بلغ مشارف الكوفة ـ في منطقة يقال لها صعنبا ـ نزلها ثم واقعهم من الغد فهزموه واستباحوا عسكره وأخذوا ما كان معه من مال وسلاح ودواب وغير ذلك .
وكانت هزيمة زهير يوم الثلاثاء لثمان خلون من شهر رمضان.


الملك السلوجكي طغر لبك ينقذ الخليفة العباسي:

وجاء في البداية والنهاية لابن كثير (12/90) أن الملك أبا طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق طغر لبك ـ الذي كان اول ملوك السلاجقة ـ توفي في ثامن رمضان سنة 455هـ وله من العمر سبعون سنة ، وكان له في الملك ثلاثون سنة، منها في ملك العراق ثمان سنين.
كان خيّراً محافظاً على الصلاة في أول وقتها، يديم صيام الاثنين والخميس، حليماً عمن أساء إليه كتوماً للأسرار ، ملك في أيام مسعود بن محمود عامة بلاد خراسان.
وكان له فضل كبير على الخلافة العباسية أيام القائم بأمر الله الذي ثار عليه وزيره الباطني البساسيري وخلعه من الخلافة ، ورحله إلى حديثة عانه ، فاستدعى الخليفة القائم طغرلبك السلجوقي فلبّاه ، ودخل بغداد وقتل البساسيري ورد الخليفة القائم من حديثة عانه وتزوج ابنة الخليفة (المنتظم 8/234) وتوفي بالري يوم الجمعة ثامن رمضان سنة 455 للهجرة.


فيضان خطير في دجلة:

ويسجل ابن الجوزي في المنتظم (10/244) في حوادث سنة 569هـ ظاهرة فيضان نهر دجلة والمخاطر الناجمة عنه... يقول:
ـ وفي غرة رمضان زادت دجلة زيادة كثيرة، ثم تفاقم الأمر وجاء مطر كثير في ليلة الجمعة ثامن رمضان ، ووقع في قرى حول الحظيرة ( دار الخلافة ) ، وفي الحظيرة بَرَدٌ ما رأوا مثله، فهدم الدور، وقتل جماعة من الناس، وجملة من المواشي ، وحدثني بعض الثقات أنهم وزنوا بردة فكان فيها سبعة أرطال (في حدود كيلوين) وكانت عامته كالنارنج يكسر الأغصان ، وساخت الدور ، ثم زاد الماء بعد ذلك على كل زيادة تقدمت منذ بنيت بغداد بذراع وكسر ، وخرج الناس وضربوا الخيم على تلال الصحراء ، ونقلوا رحالهم إلى دار الخليفة وبات عليهم الجند ، وتولى العمل الأمير قيماز بنفسه وحده .
ثم انفتح يومئذ بعد العصر فتحة من جانب دار السلطان وساح الماء فملأ الجوادّ، ثم سد بعد جهد ، وبات الناس على يأسٍ يضجون بالبكاء والدعاء ، ودخل نزيز الماء من الحيطان فملأ النظامية والتتشية ومدرسة أبي النجيب وقيصر وجميع الشاطئات ، ومن هذه المواضع ما وقع جميعه ، ومنه ما تضعضع
وكثر نزيز الماء في دار الخلافة وامتلأت السراديب ، ونبع الماء من البدرية فهلكت كلها وغلقت أبوابها ، ونبع في دار البساسيري ودرب الشعير من البلاليع ودخل الماء إلى المارستان ، وعلا فيه ورمى عدة شبابيك من شبابيكه الحديد ، ولم يبق فيه من يقوم بمصلحته إلا المشرف على الحوائج، وامتلأت مقبرة أحمد كلها ، ولم يسلم منها إلا موضع قبر بشر الحافي لأنه على نشز... الخ .ولحق ببغداد نتيجة تلك الفيضانات والأمطار المروعة أشبه ما يكون بوصف الدمار الشامل .


نزول الملك الظاهر بيبرس على صفد:

وجاء في شذرات الذهب (3/314) في حوادث سنة 664هـ
ـ فيها غزا الملك الظاهر (بيبرس) وبث جيوشه بالسواحل (وهو يطارد فلول الغزاة الصليبيين في فلسطين) فأغاروا على بلاد عكا وصور وحصن الأكراد ، ثم نزل على صفد في ثامن رمضان ، وأخذت في أربعين يوماً بخديعة ، ثم ضربت رقاب مائتين من فرسان الغزاة، وقد استشهد على صفد خلق كثير من المسلمين.


زلازل شديدة وكواكب منقضة:

ويورد ابن الجوزي في المنتظم (6/31) أنه في سنة 289هـ كثرت الزلازل، فكان في رجب زلزلة شديدة، وانقضّت الكواكب لثمان من خلون من رمضان من جميع أنحاء السماء في وقت السحر ، وكان هذا شيئاً مخيفاً مهولاً .
يقول: فلم نزل على ذلك إلى أن طلعت الشمس!!.


وفاة محدث الأندلس بن بشكوال:

وفي سنة 578هـ (شذرات الذهب 2/262) توفي أبو القاسم بن بشكوال الأنصاري القرطبي الحافظ محدث الأندلس ومؤرخها ومسندها
سمع أبا محمد بن عتاب وأبا بحر بن العاص وطبقتهما ، وأجاز له أبو علي الصدفي وسمع العالي والنازل ، وكان سليم الصدر كثير التواضع.
ألف ابن بشكوال خمسين تأليفا في أنواع العلوم منها : الحكايات المستغربة ، وغوامض الأسماء المبهمة، ومعرفة العلماء الأفاضل ، والقربة إلى الله بالصلاة على النبي ، وجزءً ذكر من روى الموطأ عن مالك رتبهم على حروف المعجم فبلغوا ثلاثة وسبعين رجلاً.
وله كتاب المستعينين عند المهمات والحاجات وما يسر الله لهم من الإجابات
ولي قضاء بعض جهات أشبيلية ، ثم ترك القضاء لإسماع العلم، توفي يوم الثامن من رمضان وله أربع وثمانون سنة.


وفاة عبد العزيز الأنصاري الحموي أديب ذكي:

وفي عام 662 (شذرات الذهب 3/309) توفي شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري الدمشقي ثم الحموي الشافعي الأديب ، ولد بدمشق سنة 586 وكان مفرط الذكاء له محفوظات كثيرة وفضائل شهيرة وحرمة وجلالة ، لين الجانب ، يكرم من يعرف ومن لا يعرف .
مات يحماه ودفن بظاهرها في ثامن رمضان في تربة كان أعدها له.
ومن بديع شعره:
سبى فؤادي فتّانُ الجمال إذا طلبت شِبْهاً له في الناس لم أصب
قرأت خط عذاريه فأطمعني بواو عطفٍ ووصلٍ منه عن كثبِ
وأعربت لي نون الصدغ معجمة بالحال عن نجح مقصودي ومطلبي
حتى رنا فسبت قلبي لواحظه والسيف أصدق أنباء من الكتب


دخول القاضي الملكي ابن عسكر مصر:

وينقل لنا ابن كثير (البداية 14/262) أنه في صبيحة يوم الاربعاء ثامن شهر رمضان سنة 759 دخل القاضي المالكي من الديار المصرية (أي وصل إلى دمشق أول تعيينه) فلبس الخلعة السلطانية يومئذ ، ودخل المقصورة من الجامع الأموي ،وقرئ تقليده هناك بحضرة القضاة والأعيان قرأه الشيخ نور الدين بن الصارم المحدث.
وهذا القاضي المالكي هو شرف الدين أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عسكر العراقي البغدادي ، قدم دمشق مراراً ، ثم استوطن الديار المصرية بعدما حكم ببغداد نيابة عن قطب الدين الأخوي، ودرس بالمستنصرية (ببغداد) بعد أبيه، وحكم بدمياط أيضاً، ثم نقل إلى قضاء المالكية بدمشق.


ولادة الخليفة العباسي المقتدر:

وممن ولد في الثامن من رمضان الخليفة المقتدر بالله جعفر بن المعتضد الذي تولى الخلافة بعد المكتفي.
ولد في عام 282هـ يوم الثامن من رمضان ، وتولى الخلافة سنة 295 وعمره ثلاث عشرة سنة ، وكثر كلام الناس فيه ، واستصغره وزيره ابن الفرات وكاد أن يطيح به لولا أن الموت داهمه وتم أمر المقتدر (الكامل 6/439).


وصول صلاح الدين إلى مخيمه حول القدس:

وفي الثامن من رمضان وصل صلاح الدين الأيوبي إلى مخيمه حول القدس بعد أن اضطره ضعف رجاله إلى القيام بعمل لم يكن يرغب فيه، وهو تخريب مدينة عسقلان بأكملها ، بعد أن أصحبت هدفاً سهلاً للفرنجة، وعجز جيشه عن حمايتها.
يقول ابن الأثير (الكامل 10/209) أمر بتخريبها وألقيت حجارتها في البحر، وهلك فيها من الأموال والذخائر التي للسلطان والرعية مالا يمكن حصره، وعفى أثرها حتى لا يبقى للفرنج في قصدها مطعم.




الانتصار على الدولة الغزنوية:

في8 من رمضان 431 هـ الموافق 23 مايو 1040 م : انتصر السلطان السلجوقي طغرل بك على جيش الدولة الغزنوية في معركة دندانكان، ويستولي على خراسان، ويجبر الغزنويين على الاعتراف بالدولة السلجوقية كأكبر وأقوى دولة في المنطقة.

أقام السلاجقة في النصف الأول من القرن الخامس الهجري دولة قوية في خراسان وبلاد ما وراء النهر، وأعلنوا تبعيتهم للخلافة العباسية في بغداد، ولم تلبث هذه الدولة الفتية أن اتسعت بسرعة هائلة وتمكنت من بسط سيطرتها على إيران والعراق، وتوج "طغرل بك" إنجازاته العسكرية بدخول عاصمة الخلافة في (25 من رمضان 447هـ= 23 من ديسمبر 1055م)، معلنًا عصرًا جديدًا لدولة الخلافة العباسية، أطلق عليه المؤرخون عصر نفوذ السلاجقة؛ حيث كانت بيدهم مقاليد الأمور، ولم يبق للخليفة العباسي سوى بعض المظاهر والرسوم.
يعد طغرل بك، المؤسس الحقيقي لدولة السلاجقة، التي نشأت على يديه، ومدت سلطانها تحت سمعه وبصره حتى صارت أكبر قوة في العالم الإسلامي، وتُوفي سنة (455هـ= 1063م) دون أن يترك ولدًا يخلفه على الحكم، فشب صراع على السلطة حسمه ابن أخيه ألب أرسلان لصالحه، بمساعدة وزيره النابه نظام الملك.
وكان ألب أرسلان امتدادًا لعمه طغرل في القدرة والكفاءة والمهارة والقيادة، فحافظ على ممتلكات دولته، ووسع حدودها على حساب الأقاليم المسيحية للأرمن وبلاد الروم، وتوَّج جهوده في هذه الجبهة بانتصاره الرائع على قيصر الروم في معركة "ملاذكرد" في (ذي القعدة 463هـ= أغسطس 1071م) بعد أن سحق الجيش الرومي سحقًا تامًا، ووقع القيصر أسيرًا، ولم يخلص نفسه إلا بفدية كبيرة قدرها مليون ونصف من الدينارات، وعقد الروم صلحًا مع السلاجقة مدته خمسون عامًا، واعترفوا بسيطرة السلاجقة على المناطق التي فتحوها من بلاد الروم.
ولم يهنأ ألب أرسلان كثيرًا بما حققه من نصر عظيم ويجنِ ثماره، ويواصل فتوحاته، فقد قُتل بعد عام وبضعة أشهر من فوزه العظيم على يد أحد الثائرين عليه، وهو في الرابعة والأربعين من عمره، في (10 من ربيع الأول 465هـ= 29 من نوفمبر 1072م)، وخلفه ابن ملكشاه.
ولاية ملكشاه
ولي ملكشاه السلطنة بعهد من أبيه، وتولى الوزير نظام الملك أخذ البيعة له، وأقره الخليفة العباسي "القائم بأمر الله" على السلطنة، ولم يكتف ملكشاه بإقراره نظام الملك في الوزارة كما كان في عهد أبيه، بل زاده بأن جعل تدبير الأمور في يديه، وفوَّضه في إدارة الدولة لما يعلم من قدرته وكفاءته، ولقبه ألقابًا كثيرة، أشهرها لقب "أتابك" الذي يعني الأمير الوالد، وكان نظام الملك هو أول من أُطلق عليه هذا اللقب.
فتوحات..
وما كاد الأمر يستقر لملكشاه حتى انصرف إلى إكمال ما بدأه أبوه من الفتوح، وبسط نفوذ دولة السلاجقة حتى تشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي، فولَّى وجهه أولاً شطر بلاد الشام، وكان قد دخلها في عهد أبيه حتى وصل إلى بيت المقدس عام (463هـ= 1070م)، واستطاع أن يضم إلى دولته معظم بلاد الشام، وأرسل جيشًا للاستيلاء على مصر، فتوغل في أراضيها حتى بلغ القاهرة وحاصرها، غير أنه فشل في فتحها، لاستماتة الفاطميين في الدفاع عنها، وارتد راجعًا إلى الشام، ولم يفكر في غزو مصر مرة أخرى.
وحرص ملكشاه على تأمين بلاد الشام بعد انتزاعها من الفاطميين، فأسند حكمها إلى أخيه تاج الدين تتش في سنة (470هـ= 1077م)، وفوّضه فتح ما يستطيع فتحه من البلاد المجاورة وضمها إلى سلطان السلاجقة.
وفي الوقت نفسه عين سليمان بن قتلمش على البلاد التي فتحها السلاجقة في آسيا الصغرى، ويعد سليمان هذا المؤسس الحقيقي لدولة سلاجقة الروم، التي شاء لها القدر أن تكون أطول عمرًا من الدولة الأم، فقد ظلت تحكم حتى عام ( 700 هـ= 1300م)، وقد نجح سليمان في فتح أنطاكية عام (477هـ= 1084م) وهي من بلاد الشام، لكنها كانت تحت حكم الروم منذ عام (358هـ).
وبعد أن فرغ "ملكشاه" من إقرار الأمن وبسط النفوذ في الجزء الغربي من دولته رحل إلى بغداد، حيث توطدت عرى الصداقة بينه وبين الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله بعد أن تزوج ابنة ملكشاه في سنة (480هـ= 1087م)، فازداد نفوذ السلاجقة قوة واستقرارًا.
ثم تهيأت الفرصة لملكشاه أن يخضع إقليم ما وراء النهر، فانتهزها على الفور، وتجاوزه إلى إقليم "كاشغر" حيث خضع له واليه، وبذلك بلغ ملك السلاجقة أقصى اتساعه، فشمل حدود الهند شرقًا إلى البحر المتوسط غربًا، وضم تحت لوائه أقاليم ما وراء النهر وإيران وآسيا الصغرى والعراق والشام، وبلغ من نفوذ الدولة وقوتها أن ظل قياصرة الروم يقدمون الجزية المفروضة عليهم بعد معركة ملاذكرد إلى ملكشاه كل عام دون إخلاف أو تسويف.
ملكشاه ونظام الملك
ارتبط نجاح ملكشاه في سياسة الدولة بوزيره "نظام الملك" الذي كان له أثر لا يُغفل ويد لا تُنسى في ازدياد قوة الدولة السلجوقية، واتساع نفوذها، وازدهار حركاتها الثقافية، واستطاع بحسن سياسته، ورجاحة عقلة أن يجعل الأمور منتظمة في جميع أنحاء الدولة، وأن يوجه سياسة السلاجقة نحو الثغور الإسلامية المتاخمة للروم، وهو ما أكسب السلاجقة احترام المسلمين وتقديرهم، وبث الهيبة في نفوس أعدائهم.
وقد وضع هذا الوزير النابه كتابًا عظيمًا في تدبير الملك سماه "سياست نامه" ضمنه آراءه في السياسة والحكم، وكيفية إدارة البلادة وتنظيم شئون الحكم.
وشجّع نظام الملك على تعمير المدن وإصلاح البلاد، وشيد كثيرًا من المساجد والمدارس، وخلف كثيرًا من الأبنية والآثار العظيمة في بغداد وأصفهان، كما كان خيّرًا عادلاً، أقر الأمن والنظام في جميع البلاد الخاضعة للسلاجقة.
المدارس النظامية
كان نظام الملك عالمًا أديبًا، محبًا لنشر العلم والثقافة، أنشأ كثيرًا من المدارس التي حملت اسمه، فعرفت بالمدارس النظامية، وكان الهدف من إنشائها مواجهة الدعوة الشيعية التي ذاعت بعد قيام الدولة الفاطمية، وقد انتشرت هذه المدارس في بغداد ونيسابور وطوس وهراة وأصفهان وغيرها من البلاد، غير أن أشهرها "نظامية بغداد" التي تخير نظام الملك لها مشاهير الفكر والثقافة وكبار أئمة العلم للتدريس فيها، مثل: حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، صاحب كتاب إحياء علوم الدين، الذي فوّض إليه نظام الملك مهمة التدريس في المدرسة النظامية في بغداد ونيسابور التي كان يدرّس فيها أبو المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وكان الوزير ينفق في كل سنة على أصحاب المدارس والفقهاء والعلماء ثلاثمائة ألف دينار.
وفاة ملكشاه
ظل ملكشاه عشرين عامًا يعمل دون ملل حتى بلغ بالدولة السلجوقية إلى ما بلغت من القوة والازدهار، حتى وصف بأنه أعظم سلاطين السلاجقة، وأحسنهم سيرة، وأعدلهم حكمًا، وأسخاهم يدًا، وأبذلهم في الإنفاق على وجوه الخير، حتى تُوفي في (15 من شوال 485هـ= 18 من نوفمبر 1092م)، وكان قد سبقه إلى ربه بخمسة وثلاثين يومًا وزيره النابغة "نظام الملك".
من مصادر الدراسة:
• در الدين الحسيني: أخبار الدولة السلجوقية ـ تحقيق محمد إقبال ـ لاهور ـ 1933م.
• عبد المنعم محمد حسنين: إيران والعراق في العصر السلجوقي ـ دار الكتب الإسلامية ـ القاهرة ـ 1402 هـ= 1982م.
• عصام عبد الرؤوف الفقي: الدول الإسلامية المستقلة في الشرق ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ 1987م.
• حسن أحمد محمود وأحمد إبراهيم الشريف: العالم الإسلامي في العصر العباسي ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ 1977م.
• حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلامي الديني والسياسي والثقافي ـ دار الجبل ـ بيروت ـ 1991م.




السلطان ألب أرسلان يتحمل الولاية:

في 8 من رمضان 455هـ الموافق 4 من سبتمبر 1036م : بداية ولاية السلطان السلجوقي "ألب أرسلان"، بعد وفاة عمه السلطان "طغرل بك" المؤسس الحقيقي لدولة السلاجقة، ويعد ألب أرسلان من كبار رجال التاريخ، وصاحب الانتصار الخالد على الروم في معركة "ملاذ كرد".

كان ألب أرسلان قائدًا بارزًا ماهرًا متلهفًا للجهاد، لا يستقر أبدًا في عاصمة دولته «الري» بل دائمًا يتحرك من كان لآخر، لتثبيت أركان حكمه في الأقاليم التابعة للسلاجقة قبل التطلع لفتح أخرى جديدة، وكان محبًا لنشر الإسلام بين قبائل الأتراك وبلاد الأرمن والروم، وأكسب كل حروبه الصفة الإسلامية الخالصة، ففتح بلاد كبيرة مثل بلاد الكرج «جوجيا الآن».
كان ألب أرسلان صاحب عقيدة صحيحة كباقي السلاجقة شديد البغض للبدع خاصة بدع الروافض لذلك عمل بكل قوته لإسقاط الدولة الفاطمية العبيدية بمصر والشام، وأعاد الخطبة والدعاء للخليفة العباسي بالحرمين والشام وأعاد الأذان الشرعي بدلاً من الآذان البدعي «حي على خير العمل».
أما أعظم أعماله وهو انتصاره الأروع في معركة ملازكرد على جحافل الدولة البيزنطية بقيادة «رومانوس الرابع» إمبراطور الروم وذلك سنة 463هـ ـ 1070م، وقد تسببت هذه المعركة في تغيير خريطة العالم القديم وتعتبر من المواقف الحاسمة في تاريخ البشرية عامة وتاريخ العلاقة بين المسلمين والنصارى خاصة.
مع شدته وقوته واعتنائه الدائم بالجهاد والجيوش إلا إنه كان رحيم القلب، رفيقًا بالفقراء وكثير الدعاء بدوام ما أنعم الله عليه وكان يتصدق في رمضان بخمسة عشر ألف دينار، وكان وزيره «نظام الملك» خير معين له في حكمه وجهاد.
وقد قتل هذا السلطان العظيم على يد أحد الخارجين عليه واسمه «يوسف الخوارزمي» وذلك في يوم السبت 10 ربيع أول 29/11/1072، وهكذا نرى دائمًا أصابع الغدر والخيانة تغتال أبطال وقادة المسلمين، لتقضي على حكم المسلمين بالتقدم والسيادة.


يتبع

رد مع اقتباس
  #9  
قديم July 15, 2013, 03:48 AM
 

9رمضان

القضاء على تمرد بابك الخرمي:

تولى المعتصم بالله الخلافة سنة 218 هـ. وعرف عنه صرامته وشجاعته في مواجهة أعدائه الخارجيين عليه أو المتمردين على النظام.
ترك المعتصم بصمة وأثراً واضحاً في الخلافة والدولة، من حيث أنه انشأ بعض المدن وحفر الأنهار، واعتنى بالزراعة والجيش، وتدخل في قضايا الفكر والدين، وكان مثالا للقوة الجسدية والأنفة الملكية.

وقد كان من قواد الجيش قائد متمرد استغل انشغال الخليفة عنه وبُعْدَ دياره في القيام بثورة مسلحة كادت أن تهدد الخلافة نفسها.
هذا القائد اسمه (بابك الخرمي) جمع حوله الناس ، واستمال إليه بعض القواد ، فلما تفرغ له المعتصم وجه إليه أكبر قواده وهو (الأفشين حيدر بن كاوس الأسروشني) وعقد له على جميع ما اجتاز به من الأعمال ، وحمل معه الأموال والخزائن ، وأمره بالتحرك للقضاء على (بابك) فكانت بينهما وقائع عدة ، دلت على حكمة (الأفشين) وحذره إلى أن وصل بزحفه نحو (بابك) إلى مدينة (البذ) عاصمة بابك ومعقله بعد معاناة شديدة من القتال والشتاء
يقول ابن واضح في تاريخه المعروف بتاريخ اليعقوبي (2/474):
ـ فأقام في محاربته حولاً حتى كثرت الثلوج ، ثم زحف إلى (البذ) يوم الخميس لتسع خلون من رمضان سنة 222هـ ، واشتدت الحرب حتى دخل المسلمون مدينة (البذ) وهرب (بابك) وستة من أصحابه، وأُخرج من كان بالبذ من أسارى المسلمين فكانوا سبعة آلاف وستمائة.
ومضى (بابك) هارباً على بغلة وقد لبس ثياب الصوف متنكراً، فكتب الأفشين إلى البطارقة (المختارين والعرفاء) في طلبه ، وضمن لمن جاء به ألف ألف درهم والصفح عن بلادهم. فما أسرع ما وشى ببابك أحدهم ـ واسمه سهل بن سنباط ـ مما سهل على (الأفشين) عملية القبض على (بابك) والرجوع به على المعتصم وهو في سر من رأى (سامراء) ، فتلقاه القواد والناس على مراحل منها ، فدخلها وبابك بين يديه مقيد على فيل حتى دخل على المعتصم ، فأمر بقطع يدي بابك ورجليه ثم قتله وصلبه.

يقول البغدادي في الفرق بين الفرق (382) : " اعلموا أسعدكم الله أن ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس عليهم، بل وأعظم من الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم"، فالباطنية ليست مذهبا إسلاميا أو فرقة من فرق أهل الإسلام، وإنما هي مذهب وطريقة أراد بها واضعوها هدم الإسلام وإبطاله عقيدة وشريعة، كما ذكر ذلك الإمام الغزالي في كتابه "فضائح الباطنية".

متى ظهر مذهب الباطنية :
اختلف الباحثون في تحديد زمن ظهور مذهب الباطنية وهو خلاف مبرر، إذ من أصول مذهبهم عدم نشر عقائدهم وأفكارهم، فهم يأخذون العهود والمواثيق على من يدخل في مذهبهم ألا يظهر شيئا منها، ويعدون ذلك من أصول دينهم وأركانه التي لا يجوز الإخلال بها، ويرى الإمام السيوطي أن أول ظهور للباطنية كان في سنة اثنتين وتسعين للهجرة، وذهب البعض إلى أن ظهورهم كان سنة 205هـ وقال آخرون سنة 250 ، ويرى البعض أن ظهور مذهب الباطنية كان سنة 276هـ حينما قام زعيمهم ميمون القداح بإنشاء هذا المذهب.
ألقاب الباطنية :
ألقاب الباطنية تمثل الأوصاف التي اتصفوا بها، وكان لكل لقب أطلق عليهم سبب ، فمن ألقابهم :
1. الباطنية: ولقبوا به لدعواهم أن لظواهر القرآن وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم بواطن تجرى في الظواهر مجرى اللب من القشر، وتلك البواطن رموز وإشارات إلى حقائق معينة، وأن من تقاعس عقله عن الغوص في الخفايا والأسرار والبواطن، أبتلي بالأغلال والآصار التي يعنون بها التكليفات الشرعية، التي تنحل عمن ارتقى إلى علم الباطن فيستريح من أعبائه.
2. القرامطة : ولقبوا بهذا اللقب نسبة إلى رجل يقال له حمدان قرمط كان أحد دعاتهم وقادتهم، فسمي أتباعه قرامطة وقرمطية.
3. الخرمية : ولقبوا به نسبة إلى أصل هذا اللفظ "خرم" وهو اسم اعجمي بمعنى الشئ المستلذ المستطاب الذي يرتاح الإنسان بمشاهدته ويهتز لرؤيته، وهذا اللقب دال على حاصل مذهبهم وزبدته، فإنه راجع إلى طي بساط التكليف، وحط أعباء الشرع عن المتعبدين، وتسليط الناس على اتباع اللذات، وطلب الشهوات، وقضاء الوطر من المباحات والمحرمات، وربما كان سبب إطلاق هذا اللقب ما سيأتي عند الحديث عن لقب "البابكية" .
4. البابكية : نسبة إلى زعيم من زعمائهم وطاغية من طغاتهم يسمى بابك الخرمي، ظهر سنة إحدى ومائتين بناحية أذربيجان، وكان زنديقا حارب جيوش المسلمين فهزمهم فاستطار شره وعلا أمره فخافه الناس، وبقي عشرين سنة يعيث في الأرض فسادا، فقتل مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفاً وخمسمائة، وكان إذا علم أن أحداً عنده بنت جميلة أو أخت طلبها منه، فإن بعثها إليه وإلا أخذها عنوة، واشتدت وطأته على جيوش المسلمين حتى مزق جندهم وبددهم، إلى أن أذن الله بهلاكه وزوال أمره، فبعث المعتصم بالله جيوشا لحربه فهزموه وأتباعه، وأخذوا بابك وصلبوه، فتفرق أمر أتباعه وتشتتوا شذر مذر، ويذكر المؤرخون أنه بقيت من البابكية جماعة، يقال: إن لهم ليلة يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم ويطفئون سرجهم وشموعهم ثم يثب كل رجل إلى إمرأة فيظفر بها، ويزعمون أن من استولى على امرأة استحلها بالاصطياد.
5. الإسماعيلية : نسبة إلى إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق الذي يزعمون أنه إمامهم، ويرون أن أدوار الإمامية انتهت به، إذ كان هو السابع بمحمد صلى الله عليه وسلم.
6. المحمرة: ولقبوا به لأنهم صبغوا ثيابهم بالحمرة أيام بابك الخرمي، ولبسوها وكان ذلك شعارهم، وقيل : سببه أنهم يقررون أن كل من خالفهم من الفرق وأهل الحق حمير.
7. التعليمية: ولقبوا بذلك لأن مذهبهم قائم على إبطال الرأي وإبطال تصرف العقول ودعوة الخلق إلى التعلم من الإمام المعصوم، وأنه لا مدرك للعلوم إلا من خلاله.
عقائد الباطنية :
مذهب الباطنية كاسمه مستبطن غير ظاهر، وإنما عرفت مذاهبهم وعقائدهم - مع حرصهم وتشددهم في إخفائها- عن طريق من أسلم منهم، أما هم فينكرون تلك المذاهب، ويظهرون لكل ذي ملة أو مذهب ما يحب، فإن أتوا النصارى أظهروا لهم القول بالتثليت وأكدوا لهم ألوهية المسيح، وإن أتوا اليهود أظهروا لهم بغض المسلمين والنصارى، وإن التقوا بزاهد أظهروا الزهد في الدنيا ومجانبة أهلها، فهم يلبسون لكل حالة لبوسها، حتى إذا أمن لهم ألقوا عليه شبهاتهم، ودعوه إلى الدخول في مذهبهم، وكشفوا له عقائدهم، بعد حرص وتحر شديد خشية أن يرتد عنهم .
فمن عقائدهم :
1. قولهم بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني، واسم العلة السابق واسم المعلول التالي، وأن السابق هو الخالق بواسطة التالي لا بنفسه، وهو مذهب مأخوذ عن الكفار من الثنوية والمجوس في قولهم بإلاهين " إله النور وإله الظلمة " فلم يغيروا سوى الأسماء.
2. اعتقادهم أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه قوة قدسية من السابق بواسطة التالي.
3. اعتقادهم أن القرآن عبارة عن تعبير النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن المعارف التي فاضت عليه وتسميته كلام الله من باب المجاز.
4. اعتقادهم أن لا بد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق، يُرجع إليه في تأويل الظواهر وحل الإشكالات في القرآن والأخبار والمعقولات، واتفقوا على أن الامام يساوي النبي في العصمة والاطلاع على الحقائق في كل الأمور، إلا أنه لا ينزل عليه الوحي، وإنما يتلقى ذلك من النبي، فإنه خليفته وبإزاء منزلته، ولكل زمن إمامه ولا يخلو زمن من إمام.
5. اعتقادهم أن لكل شريعة نبوية مدة زمنية، إذا انصرمت بعث الله نبيا آخر ينسخ شريعته، ومدة شريعة كل نبي سبعة أعمار، وأن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم نسخت بمجيء الإمام السابع جعفر بن محمد - وفق زعمهم - .
6. اتفق الباطنية على إنكار القيامة والبعث والنشور، وأن هذا النظام المشاهد في الدنيا من تعاقب الليل والنهار، وحصول الإنسان من نطفة وتولد النبات، وتولد الحيوانات لا يتصرم أبدا الدهر، وأن السموات والأرض لا يتصور انعدام أجسامهما، وقالوا عن القيامة: إنها رمز لخروج الإمام وقيام قائم الزمان وهو السابع الناسخ للشرع المغير للأمر .
7. أنكروا الجنة والنار، وقالوا معنى المعاد عود كل شئ إلى أصله، والإنسان مركب من العالم الروحاني والجسماني، أما الجسماني فينحل إلى ما تركب منه، ويعود كل خلط إلى أصله وطبيعته، وذلك هو معاد الجسد، وأما الروحاني وهو النفس فإنها إن كانت صالحة - وفق مذهبهم - اتحدت عند مفارقة الجسم بالعالم الروحاني الذي منه انفصالها وفي ذلك سعادتها، فأما النفوس المنكوسة فإنها تبقى أبد الدهر في العالم الجسماني، تتناسخها الأبدان فلا تزال تتعرض فيها للألم والأسقام فلا تفارق جسدا إلا ويتلقاها جسد آخر، وهذا عين مذهب البراهمة الهندوس.
8. يعتقدون الإباحية المطلقة، والتفلت التام من التكاليف الشرعية، ويرون أنها أغلال وآصار انحلت عنهم لاتباعهم الإمام المعصوم.
9. اعتقاد بعضهم ألوهية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقالوا وإنما ظهر في صورة الناموس ليؤنس خلقه، وفيه قال قائلهم :
أشهد أن لا إله إلا * حيدرة الأنزع البطين
ولا حجاب عليه إلا * محمد الصادق الأمين
ولا طريق إليه إلا * سلمان ذو القوة المتين
نماذج من تأويلات الباطنية
سبق أن دين الباطنية قائم على تحريف ظواهر الكتاب والسنة إلى معان مستبطنة، فمن أمثلة تحريفاتهم الساذجة:
قالوا: إن معنى الزنا ليس هو إيلاج فرج في فرج محرم، وإنما المراد به إلقاء نطفة العلم الباطن في نفس من لم يسبق معه عقد العهد، وعليه فلا يرى الباطنية حرجا في استباحة الزنا ، وزعموا أيضا أن الطهور ليس هو الوضوء المعروف، وإنما المراد به التبري والتنظف من اعتقاد كل مذهب سوى مبايعة الامام .
وزعموا إن الصيام ليس معناه الإمساك عن المفطرات في وقت مخصوص، وإنما الصيام الامساك عن كشف السر .
أما الطواف بالبيت سبعا فقالوا هو الطواف بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى تمام الأئمة السبعة، وأولوا الصلوات الخمس بأنها أدلة على الأصول الأربعة وعلى الإمام، وعليه فلا حاجة لأداء هذه الصلوات المعهودة عند المسلمين.
ومن نماذج تأويلاتهم لمعجزات الأنبياء، تأويلهم طوفان نوح عليه السلام بأنه طوفان العلم الذي أغرق المتمسكين بظواهر الكتاب والسنة، وأن نار إبراهيم عليه السلام التي ألقي فيها هي عبارة عن غضب النمرود، وليست نارا حقيقة، وزعموا أن جن سليمان هم باطنية ذلك الزمان والشياطين هم الظاهرية الذين كلفوا بالأعمال الشاقة، إلى آخر هذيانهم الذي يضحك الثكلى، لسخافة عقلوهم وسذاجتها!!
من فظائع الباطنية :
إذا كان الحديث عن عقائد الباطنية يبين العمق الفكري لهذه الشرذمة، فإن ممارساتهم مع المسلمين - عندما يشعرون بنوع من القوة - تبين مدى الحقد الذي يضطرم في قلوبهم تجاه المسلمين، وللتذكير فإن تاريخ المسلمين مع الباطنية تاريخ مليء بالدماء، ونحن في هذه العجالة لن نسطر الكثير من فظائعهم، فيكفينا بعضها، وربما كان الحدث الأعظم الذي حل بالمسلمين من جهة الباطنية في أعظم بقعة وأجلها، وفي خير الأيام وأفضلها، على يد شر البرية وأرذلها، هو ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله في كتابه البداية والنهاية (11/160) حيث يقول: " فيها - أي في سنة 317هـ - خرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها، وفي المسجد الحرام، وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقا كثيرا، وجلس أميرهم أبو طاهر - لعنه الله - على باب الكعبة، والرجال تُصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس .. وهو يقول : أنا لله، وبالله، أنا أنا، أخلق الخلق وأفنيهم أنا، فكان الناس يفرون منهم، فيتعلقون بأستار الكعبة، فلا يجدي ذلك عنهم شيئا، بل يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلون في الطواف، فلما قضى القرمطي - لعنه الله - أمره، وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودَفَنَ كثيرا منهم في أماكنهم من الحرم .. ومع هذا لم يغسلوا ولم يكفنوا ولم يصل عليهم، لأنهم محرمون شهداء في نفس الأمر، وهدم قبة زمزم، وأمر بقلع الكعبة، ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وأمر رجلا أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار ، فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، فجاءه رجل فضربه بمثقل في يده، وقال: أين الطير الأبابيل أين الحجارة من سجيل، ثم قلع الحجر الأسود، وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه .. في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة فإنا لله وإنا إليه راجعون "
الرد على الباطنية
مذهب الباطنية - كما سبق - مذهب قائم على أنه لا طريق للعلوم إلا من خلال الإمام المعصوم، وكل سبيل سوى ذلك - وفق زعمهم - فغي وهوى، فالإمام هو الذي يفسر النصوص وتفسيره قطعي لا تجوز مخالفته، واتباعه والأخذ عنه واجب وجوب متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وتصديقه، فهذا هو أساس مذهبهم، ولب منهجهم، فإبطاله ونقضه إبطال لسائر المذهب.
وعليه فإنا نسأل الباطنية عن سبب ترجيحهم خبر إمامهم المعصوم في إنكار الجنة والنار والحشر والنشر والقيامة وغير ذلك من شرائع الإسلام وعقائده، هذا ولا معجزة لإمامهم ولا دليل على صدقه، وتقديم خبره على خبر سيد الخلق صلى الله عليه وسلم صاحب المعجزات العظام وفي مقدمتها القرآن الكريم الذي أخبر بكل ما أنكرته الباطنية من عقائد الإسلام وشرائعه !! فإن قالوا إن ما في القرآن ظواهر، ولتلك الظواهر بواطن لم يفهمها سوى الإمام المعصوم، فتعلمنا منه، قلنا : وما يؤمنكم أن لفظ الإمام المعصوم له باطن لم تطلعوا عليه، فلا تثقوا بما فهمتوه عنه من ظاهر لفظه، فإن زعموا أنه صرح لهم، وقال: ما ذكرته لكم هو ظاهر لا رمز فيه والمراد ظاهره، قلنا وبم عرفتم أن قوله هذا أيضا ظاهر وفيه رمز إلى مالم تطلعوا عليه ؟ فلايزال يصرح بلفظه، ونحن نقول لسنا ممن يغتر بالظواهر، فلعل تحته رمزا وإن أنكر الباطن، فنقول تحت انكاره رمز، وإن حلف بالطلاق الثلاث على أنه ما قصد إلا الظاهر ، فنقول : في طلاقه رمز، وإنما هو مظهر شيئا ومضمر غيره، فإن قالوا: فذلك يؤدي إلى حسم باب التفهيم فلا يمكن أن يفهم أحد خطاب غيره بمثل هذا الطريقة، قلنا فأنتم حسمتم باب التفهيم على الرسول صلى الله عليه وسلم، ذلك أن القرآن مليء بوصف الجنة والنار والحشر والنشر مؤكد بالقسم والأيمان، وأنتم تقولون لعل تحت ذلك رمزا فما قلتموه في حق أخبار القرآن والسنة لزمكم في حق قول معصومكم !! وهذا إلزام لا جواب لهم عنه أبد الدهر، وعند هذا ينبغي أن يعرف الانسان أن رتبة هذه الفرقة أخس من رتبة كل فرقة من فرق الضلال.
ويقال لهم في إبطال مذهبهم : أرأيتم هذه البواطن والتأويلات التي ذكرتموها - لو سلمنا لكم صحتها - فما حكمها في الشرع أيجب إخفاؤها أم يجب إفشاؤها ؟ فإن قلتم يجب إفشاؤها، قلنا: فلم كتمها محمد صلى الله عليه وسلم فلم يذكر شيئا من ذلك لا للصحابة ولا لعامة الخلق ، فهل استجاز صلى الله عليه وسلم - وحاشاه - كتمان دين الله، وقد قال تعالى :{ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته }(المائدة:67) ، وإن زعموا أنه يجب إخفاؤه، فنقول: ما أوجب الرسول صلى الله عليه وسلم إخفاؤه من سر الدين كيف حل لكم إفشاؤه ؟!! ولم أفشيتم هذا السر وخرقتم هذا الحجاب ؟!! وهل هذا إلا خروج عن الدين، ومخالفة لصاحب الشرع، وهذا لا مخرج لهم عنه.
أولئك هم الباطنية وذاك هو تاريخهم، وتلك هي شنائعهم، عرضناها لك - أخي القاريء- لتعرف خطر تلك الفرقة التي ما نشأت إلا لهدم الإسلام وتقويض شعائره وعقائده .



إنهيار جسر على دجلة ببغداد:

وفي اليوم التاسع من رمضان ينقل ابن الجوزي في (المنتظم 6/130) وقوع كارثة مفاجئة في مدينة الخلافة بغداد ، وهي إنهيار أحد الجسور المقامة فوق دجلة. يقول:
ـ وفي يوم الأربعاء لتسع خلون من رمضان سنة (303) انقطع كرسي الجسر (أي تهاوت قاعدته) والناس عليه فغرق خلق كثير.


خروج المكتفي بالله للقضاء على القرامطة:

وفي اليوم التاسع من رمضان تحرك المكتفي بالله للقضاء على فتنة القرامطة التي استشرت في بادية الشام.
يقول صاحب ( بغية الطلب في تاريخ حلب 2/929 ) : إن القرامطة نسبوا إلى قرمط واسمه حمدان بن الأشعث كان بسواد الكوفة ، وإنما سمي قرمطا لأنه كان رجلاً قصيراً ، وكانت رجلاه قصيرتين وكان خطوه متقارباً ، وقد أظهر الزهد والورع وتسوق به على الناس مكيدة وخبثا وادعى أنه المهدي، وادعى أن نسبه يتصل بآل البيت. وقد هزم كثيراً من الجيوش التي وجهت إليه.
وقد اعتبر العلماء مذهبه خارجاً عن الإسلام.
وكان من حاله أنه لا يركب الدواب والخيل، بل له جمل يركبه ، ويلبس الثياب الواسعة ويتعمم عمة أعرابية ، ويأمر أصحابه أن لا يحاربوا أحداً - وإن أتى عليهم - حتى ينبعث جمله الذي هو عليه من قبل نفسه، فكانوا إذا فعلوا لم يهزموا ، واستغوى بذلك الأعراب .
وقد خلف أخاه بعد قتله فاشتدت شكوته وكثر أتباعه وحاصر دمشق حتى صالحه أهلها على خراج دفعوه ، ثم سار إلى أطراف دمشق وحمص فتغلب عليها ثم صار إلى حماه وسلمية وبعلبك ، فاستباح أهلها وقتل الذراري وفجر بالنساء وقتل أهل الذمة...
قال : فخرج المكتفي بالله متوجهاً نحوهم من عاصمته في العراق يوم الثلاثاء لتسع من خلون من شهر رمضان سنة 292 في قواده ومواليه وغلمانه وجيوشه وأخذ على طريق الموصل إلى الرقة وأقام بها ، وأناب عنه في قيادة الجيوش هذه القاسم بن عبيد الله ، ثم وجه أحد قواده وهو محمد بن سليمان في جيش ضخم وآلة جميلة وسلاح شاكٍ نحو القرمطي ، فلم يزل يعمل التدبير ويذكي العيون ويتعرف الطرقات حتى التقى محمد بن سليمان مع القرامطة على اثني عشر ميلاً من حماه، في موضع بينه وبين سلمية ، وثبت المسلمون حتى منحهم الله أكتاف القرامطة فهزموهم شر هزيمة وهرب القرمطي الملقب بصاحب الخال ، لكنه ألقي القبض عليه أخيراً وجيء به إلى المكتفي بالله في مدينة السلام فتقله.

و القرامطة حركة باطنية (انظر فوق) هدامة تنتسب إلى شخص اسمه حمدان بن الأشعث ويلقب بقرمط لقصر قامته وساقيه وهو من خوزستان في الأهواز ثم رحل إلى الكوفة. وقد اعتمدت هذه الحركة التنظيم (*) السري العسكري، وكان ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وحقيقتها الإلحاد (*) والإباحية وهدم الأخلاق (*) والقضاء على الدولة الإسلامية.

التأسيس وأبرز الشخصيات:

يتضح لنا تطور الحركة من خلال دراسة شخصياتها الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون المجوسية وتركوا أثراً بارزاً على سيرهم وتشكلها عبر مسيرة طويلة من الزمن:

ـ بدأ عبد الله بن ميمون القداح رأس الأفعى القرمطية بنشر المبادئ الإسماعيلية في جنوب فارس سنة 260هـ.


ـ ومن ثم كان له داعية في العراق اسمه الفرج بن عثمان القاشاني المعروف بذكرويه الذي أخذ يبث الدعوة سراً.


ـ وفي سنة 278 هـ نهض حمدان قرمط بن الأشعث يبث الدعوة جهراً قرب الكوفة ثم بنى داراً سماها دار الهجرة وقد جعل الصلاة خمسين صلاة في اليوم.


ـ هرب ذكرويه واختفي عشرين عاماً، وبعث أولاده متفرقين في البلاد يدعون للحركة.


ـ استخلف ذكرويه أحمد بن القاسم الذي بطش بقوافل التجار والحجاج وهزم في حمص وسيق ذكرويه إلى بغداد وتوفي سنة 294هـ.


ـ التف القرامطة في البحرين حول الحسن بن بهرام ويعرف بأبي سعيد الجنابي الذي سار سنة 283هـ البصرة فهزم.


قام بالأمر بعده ابنه سليمان بن الحسن بن بهرام ويعرف بأبي طاهر الذي استولى على كثير من بلاد الجزيرة العربية ودام ملكه فيها 30 سنة، ويعتبر مؤسس دولة القرامطة الحقيقي ومنظم دستورها السياسي الاجتماعي، بلغ من سطوته أن دفعت له حكومة بغداد الإتاوة ومن أعماله الرهيبة أنه:

ـ فتك هو ورجاله بالحُجاج حين رجوعهم من مكة ونهبوهم وتركوهم في الفقر حتى هلكوا.

ـ ملك الكوفة أيام المقتدر 295ـ 320هـ لمدة ستة أيام استحلها فيها.

ـ هاجم مكة عام 319هـ، وفتك بالحجاج، وهدم زمزم، وملأ المسجد بالقتلى، ونزع الكسوة، وقلع البيت العتيق، واقتلع الحجر الأسود، وسرقه إلى الأحساء، وبقي الحجر هناك عشرين سنة إلى عام 339هـ.


• توفي سليمان فآلت الأمور لأخيه الحسن الأعصم الذي قوي أمره واستولى على دمشق سنة 360هـ، ثم توجه إلى مصر ودارت معارك له مع الخلافة الفاطمية، لكن الأعصم ارتد وانهزم القرامطة وتراجعوا إلى الأحساء.


• خلع القرامطة الحسن لدعوته لبني العباس، أسند الأمر إلى رجلين هما جعفر وإسحاق اللذان توسعا ثم دار الخلاف بينهما وقاتلهم الأصفر التغلبي الذي ملك البحرين والأحساء وأنهى شوكتهم ودولتهم.


• وللمجتمع القرمطي ملامحه المتميزة إذ تشكلت في داخله أربع طبقات اجتماعية متميزة:


ـ الطبقة الأولى: وتسميهم رسائل إخوان الصفا الإخوان الأبرار الرحماء " وتشمل الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين خمس عشرة وثلاثين سنة. وهم ممن على استعداد لقبول الأفكار القرمطية عقيدة وتمثلاً في نفوسهم.

ـ الطبقة الثانية: ويعرفون بـ "الإخوان الأخيار الفضلاء " وتشمل من كانت أعمارهم بين الثلاثين والأربعين سنة وهي مرتبة الرؤساء ذوي السياسات، ويكلفون بمراعاة " الإخوان " وتعهدهم وإظهار العطف عليهم ومساعدتهم.

ـ الطبقة الثالثة: وتشمل أولئك الذين هم بين الأربعين والخمسين من العمر، ممن يعرفون الناموس الإلهي وفق المفهوم القرمطي ويتمتعون بحق الأمر والنهي ودعم الدعوة القرمطية ودفع خصومها، وهؤلاء هم الذين ألفوا الرسائل العقائدية القرمطية وعمموها في الآفاق.

ـ الطبقة الرابعة: ويطلق على أصحاب هذه الطبقة اسم " المريدون " ثم " المعلمون " ثم " المقربون " إلى الله وتشمل من تجاوزت أعمارهم الخمسين سنة؛ وهي أعلى المراتب القرمطية، من يبلغها يكون في نظر هذه الفرقة من الناموس والطبيعة ويصبح من أهل الكشف اللدني إذ يستطيع رؤية أحوال القيامة من البعث والنشور والحساب والميزان …


الأفكار والمعتقدات:


• حينما قام القرامطة بحركتهم أظهروا بعض الأفكار والآراء التي يزعمون أنهم يقاتلون من أجلها، فقد نادوا بأنهم يقاتلون من أجل آل البيت، وإن لم يكن آل البيت قد سلموا من سيوفهم.

• ثم أسسوا دولة شيوعية تقوم على شيوع الثروات وعدم احترام الملكية الشخصية.

• يجعلون الناس شركاء في النساء بحجة استئصال أسباب المباغضة فلا يجوز لأحد أن يحجب امرأته عن إخوانه وأشاعوا أن ذلك يعمل زيادة الألفة والمحبة (وهذا ما كان عليه المزدكيون الفارسيون من قبل).

• إلغاء أحكام الإسلام الأساسية كالصوم والصلاة وسائر الفرائض الأخرى.

• استخدام العنف ذريعة لتحقيق الأهداف.

• يعتقدون بإبطال القول بالمعاد والعقاب وأن الجنة هي النعيم في الدنيا والعذاب هو اشتغال أصحاب الشرائع بالصلاة والصيام والحج والجهاد.

• ينشرون معتقداتهم وأفكارهم بين العمال والفلاحين والبدو الجفاة وضعفاء النفوس وبين الذين يميلون إلى عاجل اللذات، وأصبح القرامطة بذلك مجتمع ملاحدة وسفاكين يستحلون النفوس والأموال والأعراض.

• يقولون بالعصمة وإنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يؤول الظاهر ويساوي النبي في العصمة، ومن تأويلاتهم:
ـ الصيام: الإمساك عن كشف السر.
ـ البعث: الاهتداء إلى مذهبهم.
ـ النبي (*): عبارة عن شخص فاضت عليه من الإله الأول قوة قدسية صافية.
ـ القرآن: هو تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه ومركب من جهته وسمي كلام الله مجازاً.

• يفرضون الضرائب على أتباعهم إلى حد يكاد يستغرق الدخل الفرديَّ لكل منهم.

• يقولون بوجود إلهين قديمين أحدهما علة لوجود الثاني، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي لا بنفسه، الأول تام والثاني ناقص، والأول لا يوصف بوجود ولا عدم فلا هو موصوف ولا غير موصوف.

• يدخلون على الناس من جهة ظلم الأمة لعلي بن أبي طالب وقتلهم الحسين.

• يقولون بالرجعة وأن علياً يعلم الغيب فإذا تمكنوا من الشخص أطلعوه على حقيقتهم في إسقاط التكاليف الشرعية وهدم الدين.

• يعتقدون بأن الأئمة والأديان والأخلاق ليست إلا ضلالاً.

• يدعون إلى مذهبهم اليهود والصابئة والنصارى والمجوسية والفلاسفة وأصحاب المجون والملاحدة والدهريين، ويدخلون على كل شخص من الباب الذي يناسبه.

الجذور الفكرية والعقائدية:

• فلسفتهم مادية تسربت إليها تعاليم الملاحدة والمتآمرين من أئمة الفرس.

• تأثروا بمبادئ الخوارج (*) الكلامية والسياسية ومذاهب الدهرية.

• يتعلقون بمذاهب الملحدين من مثل مزدك وزرادشت.

• أساس معتقدهم ترك العبادات والمحظورات وإقامة مجتمع يقوم على الإباحية والشيوع في النساء والمال.

• فكرتهم الجوهرية هي حشد جمهور كبير من الأنصار ودفعهم إلى العمل لغاية يجهلونها.

الانتشار ومواقع النفوذ:
دامت هذه الحركة (*) قرابة قرن من الزمان، وقد بدأت من جنوبي فارس وانتقلت إلى سواد الكوفة والبصرة وامتدت إلى الأحساء والبحرين واليمن وسيطرت على رقعة واسعة من جنوبي الجزيرة العربية والصحراء الوسطى وعمان وخراسان. وقد دخلوا مكة واستباحوها واحتلوا دمشق ووصلوا إلى حمص والسلمية. وقد مضت جيوشهم إلى مصر وعسكرت في عين شمس قرب القاهرة ثم انحسر سلطانهم وزالت دولتهم وسقط آخر معاقلهم في الأحساء والبحرين. هذا ومما يلاحظ الآن أن هناك كتابات مشبوهة تحاول أن تقدم حركة القرامطة وغيرها من حركات الردة على أنها حركات إصلاحية وأن قادتها رجال أحرار ينشدون العدالة والحرية (*).

ويتضح مما سبق:
أن هذه الحركة كان هدفها محاربة الإسلام بكل الوسائل وذلك بارتكاب الكبائر (*) وهتك الأعراض وسفك الدماء والسطو على الأموال وتحليل المحرمات بين أتباعهم حتى يجمعوا عليهم أصحاب الشهوات والمراهقين وأسافل الناس، وتعتبر عقائدها نفسها عقائد الإسماعيلية في خلاف في بعض النواحي التطبيقية التي لم يستطيع الإسماعيلية تطبيقها خوفاً من ثورة الناس عليهم ويخرجهم من الإسلام عقائدهم التالية:

أولاً: اعتقادهم باحتجاب الله في صورة البشر.
ثانياً: قولهم بوجود إلهين.
ثالثاً: تطبيقهم مبدأ إشاعة الأموال والنساء.
رابعاً: عدم التزامهم بتعاليم الإسلام في قليل أو كثير.
خامساً: فساد عقيدتهم في الوحي (*) والنبوة (*) والرسالة.
سادساً: انتهاكهم حرمات الإسلام بالاعتداء على الحجيج واقتحام الكعبة ونزع الحجر الأسود ونقله إلى مكان آخر.
سابعاً: إنكارهم للقيامة والجنة والنار.


--------------------------------------------------------
مراجع للتوسع:
ـ كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة، محمد بن مالك الحمادي اليماني.
ـ تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة، محمد عبد الله عنان.
ـ تاريخ المذاهب الإسلامية، محمد أبو زهرة.
ـ المؤامرة على الإسلام، أنور الجندي.
ـ القرامطة، عبد الرحمن بن الجوزي.
ـ إسلام بلا مذاهب، الدكتور مصطفى الشكعة.
ـ الملل والنحل، لأبي الفتح الشهرستاني.
ـ فضائح الباطنية، لأبي حامد الغزالي.
ـ الفرق بين الفرق، عبد القاهر البغدادي.
ـ دراسات في الفرق والمذاهب القديمة والمعاصرة، عبد الله الأمين .



الفقيه محمد بن داود الظاهري يخلف أباه في المذهب:

وفي اليوم التاسع من رمضان سنة 297 توفي الفقيه محمد بن داود علي الظاهري الذي خلف أباه الإمام داود بن علي مؤسس مذهب الظاهرية في حلقته.
كان محمد بن داود فقيهاً متقناً له بصر تام بالحديث وبأقوال الصحابة مع ذكاء شديد وفصاحة في اللسان وقد رة على الجدل والمناظرة .
قام بنشر مذهبه ودعا الناس إليه ، وألف كتباً كثيرة منها : الوصول إلى معرفة الأصول ، واختلاف مسائل الصحابة ، وكتاب المناسك ، وكتاب الفرائض . وأشهر كتبه : الزُهْرة جمع فيه نوادر وأشعاراً.
نشر مذهبه في الشرق لكن ذلك لم يستمر طويلاً بل اختفى وزال. (احمد تمام ـ إسلام أون لاين ـ حدث في رمضان).

حقيقة هذا المذهب:
يقوم هذا المذهب على أن المصدر الفقهي هو ظواهر النصوص من الكتاب والسنة، فلا رأي في حكم من أحكام الشرع، وعلى هذا فقد نفى المعتنقون لهذا المذهب الرأي بكافة أنواعه؛ فلم يأخذوا بالقياس، ولا بالاستحسان، ولا الذرائع، ولا المصالح المرسلة، ولا بأي وجه آخر من وجوه الرأي، بل يأخذون بالنصوص وحدها، وإذا لم يكن نص أخذوا بحكم الاستصحاب الذي هو الإباحة الأصلية الثابتة بقوله تعالى: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً".
فهذا المذهب نفى القياس؛ لأنه يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه حتى جرأ العامة على استنباط الأحكام.
وقد قام بإنشاء هذا المذهب وبيان أحكامه وتوضيح أدلته عالمان، أحدهما: داود الأصفهاني ويعد منشئ المذهب؛ لأنه أول من تكلم به، وثانيهما: ابن حزم الأندلسي، وقد كان له فضل بيان المذهب وبسطه.
وقد نشأ المذهب في بغداد في منتصف القرن الثالث الهجري.
وسوف نعرّف بكل من هذين العالمين، كما نتكلم عن آرائهما التي قام عليها المذهب الظاهري، وكذلك نبين أصول هذا المذهب، ومبناه في إبطال الاجتهاد بالرأي، وأيضًا ما يتعلق بانتشاره.
1- داود بن علي الأصفهاني
نسبه ونشأته:
هو أبو سليمان داود بن علي بن خلف الأصفهاني ، ولد بالكوفة عام 202هـ، وتوفي عام 270هـ، وقد تلقى العلم ببغداد على كثير من علمائها ومن أشهرهم أبو ثور، وإسحاق بن راهويه، كما التقى بالإمام الشافعي، وكان معجبًا به أشد الإعجاب، كما تلقى الفقه على كثير من تلاميذ الشافعي، وكان له ولع شديد بطلب الحديث، فسمع الكثيرين من محدثي عصره، وتعددت رحلاته في سبيل ذلك فرحل إلى "نيسابور" وغيرها ليسمع المحدثين هناك، وقد دون ما رواه، وكانت كتبه مملوءة بالحديث، ولمّا اتجه إلى الفقه، كان فقهه ما رواه من أحاديث.


يتبع

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم السيرة النبوية وقصص تاريخ الاسلام ورجاله
أدوات الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الحمل و الولادة : لمعرفة ايام التبويض وانتظام الدورة ادخلي هنا.. نفيس منتدى الحمل والولادة والأمراض النسائية 9 July 16, 2013 04:22 PM
التقويم الدراسي للسنوات العشر القادمة المعتمد من مجلس الوزراء رحيل الساهر منتدى الدروس التعليمية المقررة والشروح والملخصات لجميع المستويات 9 April 26, 2013 05:37 PM
معلومات كاملة عن ايام التبويض | ملف كامل عن أيام التبويض | مرحلة التبويض عند المرأة ! سمو الإحساس ! منتدى الحمل والولادة والأمراض النسائية 8 March 22, 2013 02:21 AM


الساعة الآن 04:48 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتديات ستوب لاتُعبر بالضرورة عن رأي ستوب ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير