فيسبوك تويتر RSS



العودة   منتديات ستوب > منتديات التريبة والتعليم > منتدى البحوث الجامعية والمدرسية الشاملة

منتدى البحوث الجامعية والمدرسية الشاملة البحوث والدراسات والخطابات الجاهزه . الأبحاث العلمية والأكاديمية . ابحاث علمية . ابحاث تربوية ابحاث رياضية . ابحاث اكاديمية . ابحاث جغرافيه وتاريخية . ابحاث علمية . مختلف الأبحاث . بحوث علمية . بحوث أدبية . اضخم مكتبة بحثية . موسوعة للبحوث والدراسات . بحوث ماجستير . بحوث دكتوراه .خطابات نصية جاهزة .



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #4  
قديم December 16, 2016, 04:35 PM
 



المبحث الثالث
المعلومات وعلاقتها بالاستخبارات

رافقت الاستخبارات المعلومات مثلما رافقتها المعرفة منذ زمن بعيد، وكان تأثيرها مباشرا على الجانب العسكري لغاية نهاية القرن التاسع عشر وعلى طول مراحل التاريخ. لكن الاستخبارات من التعابير الاصطلاحية التي برزت خلال الحرب العاليمة الأولى عندما أغرت الدول الأوربية كثيراً من دول العالم إلى الاشتراك فيها، أو الوقوف منها موقف الحياد.
يقصد بالاستخبارات هو نشر الأنباء والبيانات الرسمية والدعاية للمجهود الوطني والحربي ومحاربة دعاية العدو في الدول المحايدة، ومن ناحية أخرى جمع المعلومات ذات الأهمية من المصادر الأجنبية للصالح الوطني، وفي ضوء ذلك كان الغرض من إنشاء أجهزة الاستخبارات لحماية الأمن الداخلي، ونظم الحكم القائمة إبان السلم، ومساندة المجهود الحربي إبان الحرب.
يعد واجب الاستخبارات الرئيسي جمع المعلومات، وتقدير الوضع، وتقديم المعطيات للحكومة من أجل اتخاذ القرارات السياسية، والعسكرية، وتوفير الأمن، والحماية من النشاطات الهدامة لاستخبارت الخصم، وتوفير الأمن للأشخاص، والمنشآت وللعمليات.
تنطلق المعلومات والاستخبارات ومهما اختلفت المفاهيم والأسس من قاعدة واحدة، هي أن المعلومات تعبر عن البيانات والمعطيات المبكرة والأرقام والأصوات والجسور المرتبطة بالعالم الواقعي، وتقوم بشكل مرتب ومنسق ومنظم ووضعها في إطار ذي مغزى محدد، لتمكن الإنسان من الاستفادة منها في الوصول إلى حالة المعالجة والتقييم. أما الاستخبارات فهي نتائج هذه المعالجة والتقييم وتقود إلى المعرفة واكتشافها. فالمعلومات والاستخبارات هي كل المعطيات والبيانات التي تم جمعها وتحليلها وتقويمها وتفسيرها، والتي تساعد في عملية صناعة واتخاذ القرارات على مستوى المنظمات. ولفهم موضوع الاستخبارات تم تقسيم هذا المبحث إلى ثلاثة مطاليب: يشمل المطلب الأول مفهوم الاستخبارات وأهميتها، ويتضمن المطلب الثاني أنواع الاستخبارات، أما المطلب الأخير فيدرس علاقة الاستخبارات بالقرار السياسي.

المطلب الأول
مفهوم الاستخبارات وأهميتها
يعد مفهوم الاستخبارات كلغة بمعنى: "الاستخبار والتخبر، أو السؤال عن الخبر، فاستخبره: يعني سأله عن الخبر وطلب أن يخبره، وخبره تخبيرا، أخبره، يقال: استخبرته فأخبرني"( ). أما الاستخبار عند أهل اللغة فهو: "الاستفهام وطلب الفهم، وقيل الاستخبار ما سبق أولا لهم يفهم حق الفهم، فإذا سأله عنه ثانيا كان استفهاما"( ). والخبر ما أتاك من نبأٍ عمن تستخبر، وقيل: "إن نبأ خبر مقيد بكونه عن أمر عظيم"( ).
الخبر يعني: النبأ، والجمع أخبار، وجمع الجمع أخابير. والخبر: ما ينقل عن الغير, وزاد فيه أهل العربية: واحتمله الصدق والكذب لذاته. "والمحدثون استعملوه بمعنى الحديث، أو الحديث: ما نقل عن النبي محمد ، والخبر مانقل عن غيره"( ). وقيل: الخبر "بأنه العلم بالشيء"( ). وقيل: الخبرة "تعني العلم بالظاهر والباطن، ويلزمه المعرفة بالأمور الظاهرية"( ). والخبير جمعه خبراء، "وهو العارف بالخبر، والخبير هو اسم من أسماء الله الحسنى، والخبير هو العالم، والخبير هو الذي يخبر الشيء بعلمه، والخابر هو المخبر والمجرب"( ).
تعني الاستخبارات اصطلاحا "مجموعة الأجهزة والتشكيلات والوسائل المستخدمة لجمع المعلومات السياسية والنفسية والاقتصادية والعسكرية و التكنولوجية الخاصة بالعدو وتحليلها، والعاملة في الوقت نفسه في مكافحة عمليات التجسس، أو التخريب المعادية، وإبطال كل عمل يقوم به العدو لجمع المعلومات السياسية والنفسية والاقتصادية والعسكرية عن معسكر الصديق"( ).
يقصد بالاستخبارات التخابر لنقل المعلومات القيمة المنقولة، وتكون على درجة كبيرة من الأهمية بين الشخص والآخر، وبين مركز وآخر، والاستخبارات في كل دولة تشمل جميع وسائل التجسس الخارجي.
أما التخابر: هو التفاهم بين شخصين في مختلف صوره، سواء حصل ذلك مشافة أو كتابة , صراحة أو رمزاً، مباشرة أو بواسطة. ولفظ التخابر هو: كل تراسل أو اتصال معناه تفاهم يتم بين شخصين أو مجموعة أشخاص تتحد فكرتهم على خداع الغير، والمراسلة قد تكون بالمحادثة التليفونية، أو الشفوية، أو السلكية، أو اللاسلكية. "والاستخبارات تعني نتائج وثمار حصيلة المعلومات التي تحصل عليها الاستخبارات"( ).
يلاحظ أن كلمة استخبارات في اللغة الانجليزية (Intelligence)، تعني أيضاً معلومات، وجاء في التعريفات عن الاستخبارات: أنها المعرفة والعلم بالمعلومات التي يجب أن تتوفر لدى كبار المسؤولين من المدنيين والعسكرين، حتى يمكنهم العمل لتأمين سلامة الأمن القومي.
أشارت لجنة هوفر الأمريكية للاستخبارات ضمن تقريرها إلى الكونغرس الأمريكي في حزيران عام(1955م)، بأن الاستخبارات: هي عملياتنا للحصول على كل الأمور التي يجب أن نعرفها قبل البدء في العمل، وأن الاستخبارات تعالج كل الأمور التي يجب أن تكون معروفة مقدماً لتنظيم خطة العمل( ).
عرفت الاستخبارات بموجب قاموس المصطلحات العسكرية الأمريكي بأنها؛ نتيجة جمع، وتقيم، وتحليل، وإيضاح، وتفسير كل مايمكن الحصول عليه من معلومات عن أي نواحي دولة أجنبية، أو لمناطق العمليات، والتي تكون لازمة لزوماً مباشراً للتخطيط( ). ولكن التعريف الذي تورده دائرة المعارف البريطانية عن الاستخبارات فهي تعني: جمع المعلومات عن خصم، أو حتى عن حليف أحياناً، أو عن دولة محايدة. والاستخبارات المضادة هي عبارة عن تأمين الأسرار الخاصة بالدولة( ). في حين أشار قاموس المصطلحات العسكرية بأنها: النتيجة المستنبطة من جمع وتدوين وتقويم وتحليل كل المعلومات المتيسرة والمتعلقة بناحية أو أكثر من نواحي بلد، أو منطقة عمليات لها عندنا أهمية مباشرة، أو محتملة، وتشمل النواحي الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية( ).
أما كراسة الاستخبارات العراقية فقد عرفتها بأنها: تعني نتائج تحليل وتفسير المعلومات المتيسرة بمنطقة، أو أكثر لبلد من البلدان له أهمية مباشرة، أو محتملة للتأثير على الخطط والعمليات العسكرية، وتعني الاستخبارات بمفهومها الأوسع بأنها: ذلك القدر من المعرفة عن العدو الحقيقي، أو المحتمل التي يمكن بواسطتها التنبؤ بنواياه وتقدير إمكانياته على شن الحرب، أو التأثير على المصالح الوطنية( ). وبصفة عامة تنطوي الاستخبارات على العناصر التالية( ):
أولاً: الحصول على المعلومات عن العدو.
ثانياً: فرز وفحص وتقيم هذه المعلومات وتقدير مدى صحتها.
ثالثا: تفسير المعلومات واستخلاص نتائجها لإمداد المسؤولين بها.
رابعاً: الإستفادة من هذه المعلومات وما يستخلص منها في التخطيط، وإتخاذ القرارات، ومقاومة أعمال الاستخبارات المعادية. لذلك فإن مصطلح المعلومات مرتبط بمصطلح البيانات والمعطيات من جهة، وبمصطلح الاستخبارات من جهة أخرى، وإن الاستخبارات هي حصيلة مهمة ونهائية لاستخدام واستثمار المعلومات من قبل متخذي القرار.
وتأسيسا على ما تقدم فإن الاستخبارات تُعدُّ جوهرة المعلومات، وترتبط معها ارتباطا جدليا ووثيقا ونتيجتهما تترافق مع المعرفة لتولد الرؤية الدقيقة والواضحة لصانعي ومتخذي القرار، والشكل رقم (10) يبين تلك العلاقة.
الشكل رقم (10) يوضح العلاقة ما بين البيانات والمعلومات والاستخبارات















الشكل من تصميم الباحث

لعبت الاستخبارات دوراً مهماً وكبيراً في العصور القديمة والحديثة، "وتعد عنصراً أساسياً في تمويل الحكومة والدولة بالمعرفة عن نوايا العدو واستعداداته"( ). تُعدُّ الاستخبارات ذات أهمية كبيرة، فهي "توازي أهمية القوات المسلحة، وإن عملياتها هي الوسائل التي تنفذ بها السياسة القومية"( ). وهي تمثل خط الدفاع الأول في عصرنا الحالي لتزويدنا بتقنية الأسلحة الحديثة للخصم، وامتلاكه للسلاح الذري وأسلحة التدمير الشامل، "وتُعدُّ العنصر الأساسي في المحافظة على السلم والهدوء، فهي التي تمول الحكومة والقيادات بالمعرفة المسبقة عن نوايا العدو وعن استحضاراته"( ).


المطلب الثاني
أنواع الاستخبارات
تختلف مهام الاستخبارات باختلاف الموضوعات التي تعالجها، "وعملها لا يتطلب جمع المعلومات فحسب، بل فرز وفحص وتقيم تلك المعلومات ومدى الاعتماد على صحتها والوصول منها إلى نتائج معينة"( ). ومهما تكن الاستخبارات ولأي مستوى من المستويات يجب أن تكون لديها منطقة مسؤولية محددة، تستطيع من خلالها نشر مصادرها البشرية والفنية، لتأمين متطلباتها الرئيسية، وتعمل وفق مبادئ أساسية تتمثل: "دقة المعلومات، والاستنتاج المنطقي، والتوقيت، والاستمرارية، وحماية مصادرها، وتعطي المعلومات لمن يحتاجها، وأن يجري التعاون والتنسيق مع الأجهزة الأخرى"( ).
تقع أهمية كبيرة على عاتق الاستخبارات واعتبارها من العوامل المساعدة للقادة السياسيين والعسكريين في صنع واتخاذ القرارات، ولتعلق عملها بكافة مفاصل مؤسسات الدولة، فقد جرى تقسيمها إلى ما يأتي( ):
أولاً: الاستخبارات الاستراتيجية: هي جمع المعلومات المتعلقة بالشؤون العسكرية، أو الأمنية وتنسيقها وتوزيعها على المستوى الاستراتيجي ومستوى الدولة، وهدف هذا النوع من النشاطات معرفة قدرات دولة أخرى، والتكهن بنواياها للمساعدة في تخطيط المسائل المتعلقة باستراتيجية الدولة، وتشمل الاتجاهات الاقتصادية، والاجتماعية، والسكانية الديموغرافية والعلمية، ونتائج هذه الاتجاهات وتأثيرها على القدرات العسكرية، والسياسات المتبعة، بمعنى آخر: "هي مجموعة المعلومات المتعلقة بطاقات وقدرات ومخططات الدول المعادية، ويستفاد منها عند التخطيط للمهمات القومية والاستراتيجية وصيانة الأمن القومي وفي السياسة الخارجية. وتعد هذه المعلومات لمن يحتاجونها، وهم أولئك الذين يتولون التخطيط لوضع سياسة الأمن اللازمة في وقت السلم, كما تكون هي أساس التخطيط للعمليات العسكرية في وقت الحرب"( ).
ثانياً: الاستخبارات التعبويّة: هي جميع المعلومات التي "تشمل المستوى التعبوي لقوات العدو في منطقة محددة، أو حول المنطقة ذاتها، وتحليل هذه المعلومات، فهي محددة بوضع آني معين، ويعبر عنها بالاستخبارات القتالية، وهي تنحصر بمستوى وحدة ضمن لواء أو فرقة"( ).
ومهما تعددت ألوان نشاط الاستخبارات فإنها تستهدف أمرين رئيسيين: الأول الحصول على كافة المعلومات المتعلقة بالدول ذات التأثير والاهتمام لإمداد المسؤولين بالحقائق والتقديرات الجديدة، التي تكفل وضع سياسة الأمن في وقت السلم والتخطيط للعمليات العسكرية في وقت الحرب، والثاني الوقاية من نشاطات الاستخبارات المعادية المؤثرة على أمن البلد.
وتأسيسا على ما تقدم، فإن الباحث يُعرِّف الاستخبارات بأنها: تلك الخطوات المترابطة الموجهة لاستخدام كافة الوسائل والإمكانيات، والأجهزة والتشكيلات المتوفرة للحصول على كافة المعلومات التي يحتاجها صانعوا السياسة، والمتعلقة بالجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية والنفسية والعلمية الخاصة بالعدو، وتصنيفها وتفسيرها وتقويمها، وإمداد القيادة والحكومة بالحقائق والتقديرات المناسبة في الوقت المناسب، لصياغة استراتيجية الدولة، ولاتخاذ القرارات التي تكفل سلامة الأمن الوطني، وبنفس الاتجاه القيام بفعاليات ضد عمليات الاستخبارات المعادية لمنعها من التأثير وإلحاق الضرر بالدولة .
المطلب الثالث
علاقة الاستخبارات بالقرار السياسي
تمد أجهزة الاستخبارات " القيادة بالمعلومات والتحليلات التي تبنى عليها القرارات، وكثير ما ترجع أهمية الاستخبارات إلى حاجة الدولة، أو القيادة إلى معرفة مايخبأ لهما العدو"( ).
كانت الاستخبارات في الأساس عسكرية محضة، فتشير بدايتها إلى مجرد استكشاف قبل المعركة، صارت الاستخبارات منذ الحرب العالمية الثانية شاملة أكثر لحقول الحياة.
يقول الن دالاس رئيس المخابرات المركزية الأمريكية السابق: "إن تاريخ نشاط الاستخبارات قديم قدم المنافسة بين المجتمعات والأمم، وما دامت قد وجددت حاجة ملحة لحماية المصالح الحاسمة الأهمية لحاكم، أو دولة، أو حكومة، كانت هناك حاجة ملحة للاستخبارات، وهكذا كان الممكن أن نجد في أقدم التسجيلات لحوادث التاريخ أقدم صور الاستخدام للاستخبارات"( ).
أضحى التجسس والاستكشاف العسكريان جزء من عالم أوسع بكثير. فأصبحت الاستخبارات تهتم بالاختراع الجديد وبتمديد المياه وشق الطرق وبمواقع مولدات الكهرباء، وباختصار صارت الاستخبارات تريد أن تعرف كل شي عن الناس في كل ظرف وتاريخ ومعركة. تنوعت الحروب في العصر الحديث، وتنوعت معها الاستخبارات. صارت كل دولة مهتمة بمصيرها وأمنها، أن تعرف وتعلم ماذا يجري حولها في الدول الأخرى، وفي كافة الحقول والنشاطات الإنسانية.
أنتجت التغيرات والحروب التي غطت عالمنا تعابير مختلفة تهم مصير الإنسانية، وتُعدُّ الاستخبارات الذراع الأساسي للدولة لمتابعة تلك الفعاليات والتعابير، فاليوم صار من تعابيرنا مايسمى: بالحرب الحامية، الحرب الباردة، حرب المعلومات، الهدنة بين دولتين، عدم وجود معاهدة صلح بين دولتين، عدم اعتراف هذه الدولة بوجود تلك.
أصبحت الاستخبارات العمود الرئيسي لأي دولة وبقاء ديمومتها، "ولم يعد بالإمكان في العصر الحاضر أن يكتب تاريخ دولة من الدول دون أن يشار إلى دوائر استخباراتها ونشاطها"( ). فإذا كانت الاستخبارات لهذه الدولة مهمتها جمع معلومات في تلك الدولة ولمختلف الاتجاهات، لذا فمهمة استخبارات تلك الدولة جمع المعلومات في هذه الدولة ولنفس الأهداف. وهذا كله يتطلب إلى بناء مؤسسات مدعومة بآلاف الرجال والنساء وإلى ملايين الدولارات موزعة في الداخل والخارج( ).
تهتم الدول بسياستها الخارجية من خلال سفاراتها ومؤسساتها المنتشرة في الدول الأخرى، لأنها تمثل الخط الدفاعي المتقدم لكل دولة، ووظيفتها تشمل العمل الديبلوماسي والسياسي، وعلى هذا الأساس صارت السفارة اليوم أشبه بدولة صغيرة ضمن الدولة المضيفة، فلها حصانتها الإقليمية، وأصبحت مستودعا لمئات الموظفيين الأجانب الذين تتنوع مهماتهم في الاستعلام والتجسس، ونجد في السفارة اليوم ملحقيات متعددة (عسكرية، تجارية، ثقافية، صحفية، بحرية) تتنوع تسمياتهم بحسب المهمات المكلفين بها، وهولاء كلهم يتجسسون لبلدانهم حسب مهنهم، فتجدهم يشكلون مركز استخبارات متقدم، ولديهم المهنية العالية، فمنهم خبراء في السياسة، والاقتصاد، والشؤون العسكرية، والجيولوجية، أو الصناعية، أو النفطية، أو حتى في الإدارة والمحاسبة والطيران المدني، وتتضمن واجباتهم: تصفية الأخبار السياسية الواردة ومقارنتها وتصنيفها وإبداء الرأي فيها، وإجراء الدراسات في ضوء المعلومات المصفاة، وملاحقة الأحداث السياسية، ومنهم من يعمل في المختبرات العلمية على تفكيك المعلومات والآلات التقنية العسكرية والمدنية، ويدير شبكات للتجسس الخارجية، أو يترأس بعض العمليات الخطيرة الموكلة إليه من قبل قيادته السياسية. "تخدم تلك التسميات والفعاليات القرار السياسي والقيادة السياسية بشكل رئيسي وفعال، واعتبارها إحدى الأذرع المساعدة لمعرفة البيئة الخارجية الدولية"( ).
علاقة السياسة بالاستخبارات:
تتميز سياسة الدولة بجانبان: الأول ظاهري؛ وهو ما يكشف عنه علناً من خطب مبهجة، وكلمات مؤثرة، وتأكيدات متبادلة للإدارة الحسنة. لكن تجارب القرون الماضية المتراكمة وبداية القرن الحالي ترى من الحكمة والضرورة التشكيك حول ما يكمن وراء الكلمات المؤثرة، والتي تتضمن خطط ونوايا الجانب الاخر الحقيقية على المدى البعيد، وماهي التدابير التي يجب على الحكومة اتخاذها لحماية أمن دولتها وهيئاتها الاجتماعية، "فالسياسة الخارجية هي دوما معادلة في مجهول واحد على الأقل، قد تكون معلوماتها متناقضة، أو غامضة يصعب تفسيرها، وتتولد ظاهرة الضبابية وعدم اليقين"( ). وهذا ما يمكن أن نطلق عليه الجانب الثاني المخفي الليلي الظلامي، ويحمل بعض المفاجأت الخبيثة، ويمكن أن تنطلق فجأة في هذا الظلام، فلابد أن يبقى المسؤول حذرا ومستعدا، وتتحمل قيادة الدولة المسؤولية عن هذا الوجه الليلي من السياسة أيضاً، لذلك لا يستطيع أي رئيس، أو مستشار، أو وزير الشعور بهذه السعادة في الجانب المظلم والمجهول الكبير، والذي يثير القلق، ويستهدف الدولة أو تلك، لذا سيكون من واجب كل حكومة الحصول على معلومات موثوقة حول ما يريده الآخرون ويقدرون عليه، لتكون مستعدة عند تغير الأحوال.
يبرز دور الاستخبارات لتمثل الأداة التي تضيء ذلك الجانب المظلم من التواصل السياسي الدولي، "فتستخدم طرائقها لتقصي الوسائل والمشاريع الحقيقية للحكومات الأجنبية، ومعرفة نوايها وتكشف الخلفيات والوقائع الخفية وتبلغ حكومتها عنها"( ).
تستطيع الاستخبارات الجيدة إيقاظ وتنبيه الدولة من خلال معرفة وكشف قوة ونوايا العدو التخطيطية في الظلام، "وتمكن الدولة من العمل بشكل متوازن ومنطقي، وملتزم. تبرز مساهمة أجهزة الاستخبارات في خدمة القرار السياسي والقيادة السياسية في المجالات التالية"( ):
أولاً: تزود الاستخبارات القيادة السياسية بالمعلومات الضرورية لاتخاذ القرار، وهذه المعلومات يمكن إعطائها بثلاثة طرق:
أ. كمادة خام أساسية تحتاج إلى تمحيص وتقدير.
ب. كتقديرات وضع استخلصت على أساس المادة الخام.
ج. كتقديرات وضع مرفقة بتقدير الاحتمالات المفتوحة للعمل وبتوصيات بالنسبة إلى العملية التي يجب القيام بها.
ثانياً: تُعدُّ الاستخبارات قناة تأثير قصيرة وفعالة، لإنها توفر إمكانية العمل السريع، وتتجاوز الأجهزة البيروقراطية، والبروتكولات المتنوعة، وتوفر للزعماء إمكانية التأثير بطريق قصير ومباشر في مجالات كثيرة.
ثالثا: تتميز الاستخبارات بأنها أداة سهلة لعقد صفقات سياسية على صعيد العلاقات الدولية حين تنشأ أحيانا أوضاعا تتطلب حلول، أو اتفاقيات تجري سرا بين دول وبدون توقيع رسمي.
رابعا: قد تمنح الاستخبارات مجالا من الوقت للحكومات من خلال عملها بديلا عن العمق الاستراتيجي، وذلك بإعطائها فسحة من الأمن من حيث الزمان والمكان.
خامساً: تمنح الاستخبارات الأمن لأجهزة أخرى تشترك معها سواء داخل الدولة، أو خارجها، وبطرق غير عسكرية، "وذلك في إطار المجال المسمى (الاستخبارات الوقائية)، وهذا الأمن يمكن التعبير عنه أيضا في مجال حماية المجتمع والمنشآت والمنظمات"( ).
سادساً:تُعدُّ الاستخبارات وسيلة لتحقيق أهداف لا يمكن تحقيقها بطرق أخرى، والمقصود هنا هو حرب الاستخبارات، أو الحرب النفسية.
تنطلق من مركز القيادة والجهاز الاستخباري الأفعال وتوجيه العمليات، وتُعدُّ المهمة الرئيسية لجهاز الاستخبارات، "وبداخلها وظيفتان ينجزهما في وقت واحد، هما (التلقي، وإعادة الصياغة). ويشملان الحصول على المعلومات، وجمعها وتقويمها، و خلاصتها تتوج بتحليل مستمر للموقف، وهو خلاصة للعمل النهائي الرئيسي، ويخدم الحكومة والقرار السياسي بصفة معلومة صحيحة، وهي أرضية أمينة يقوم عليها تكتيك سياستها الخارجية وقراراتها السياسية العملياتية"( ).
تواجه الاستخبارات تأثيرات من قبل القيادة السياسية، وقد تنجح في ترويض جهاز الاستخبارات عن طريق القوة والتغير، أو كيل المدح والثناء له، كلما قدم تقريرا، أو تقديرا يؤيد سياستها مما يجعل الجهاز الاستخباري مستمرا في نهجه المؤيد للحكومة، ويبتعد عن المهنية، ليصبح أداة طيعة بيد الرئيس لتحقيق مآربه السياسية، "وهذا ما حصل لجهاز الاستخبارات الأمريكي في عقد السبعينات من القرن الماضي، وكان المسؤول عن ذلك التغير هنري كسنجر"( ).
يجب أن تكون الاستخبارات يقظة لهذة العقبة، وواجبها الأساسي يمثل في تحليل الوضع القائم، ومحاولة التكهن بنتائج التطورات، وإعطاء التصورات بصددها، وليس من واجبها إدخال السرور إلى نفس القادة، بل واجبها إطلاعهم على الوقائع حتى وإن كانت مرة.
تبدو التقارير الاستخبارية التي تتناقض وإيديولوجية نظام الحكم في نظر القادة مصدر للإزعاج، وترى الاستخبارات نفسها محتارة ومربكة. وقد تكون الاستخبارات متداخلة في العملية السياسية، ولقد حذر بعض رؤساء الاستخبارات الأمريكيين من مثل هذا التدخل، والذي سيجعلها مهتمة بالخط السياسي دون النظر إلى مهنيتها، وقد يؤثر في تقاريرها وتقديراتها وتصاب بالنكبة.
يعد تمسك الاستخبارات بالخط السياسي نفسه المتبع بالدولة مضراً في انفتاح الجهاز نفسه اتجاه المعلومات وفهمها، "وهذا ما حصل لجهاز المخابرات الأمريكية (CIA) أثناء الغزو الأمريكي للعراق في آذار2003، حيث وافقت المخابرات الأمريكية الرؤية السياسية للقيادة الأمريكية بالرغم من عدم توفر الدليل المخابراتي لغزو العراق"( ).
يتردد السياسيون كثيراً قبل سؤالهم الاستخبارات عن تقديراتها بشأن نتائج سياستهم المحتملة. تتسم طبيعة الاستخبارات بالحذر الشديد واليقظة للعقبات والصعوبات التي تواجه عملية تنفيذ الخط السياسي، وتبرز الاستخبارات في معظم الحالات تقديراتها الأخطار أكثر من إبرازها للفرص واحتمالات النجاح، وبذلك تقيد حرية عمل رجال السياسة.
يجب أن تدخل الاستخبارات في عملية تحديد الخط السياسي للدولة مرتين، الأولى عن طريق تزويد القادة بمعلومات وتقديرات عن الوضع لكي تستخدم هذه المعلومات في رسم الخطة السياسية، وهذه المعلومات تكون بمثابة النظرية الأساسية للسياسة، والثانية بعد تحديد الخط السياسي وإقراره، على الاستخبارات تقدير الردود المتوقعة التي أقرت من جانب الخصوم والعناصر الأجنبية، وتقدير النتائج المتوقعة للسياسة التي ستقسم إلى نتائج على المدى القريب، ونتائج على المدى البعيد.
تُعدُّ النتائج الهامة هي نتائج بعيدة المدى، ولكي نصل إليها لابد من المرور أولا بالنتائج قريبة المدى، ويجب ألا نستهين بها، وأن المشكلة الصعبة التي تواجه الاستخبارات والسياسة هي تقدير النتائج بشكل صحيح، ولكي نحقق إيجابية، فلابد من إشراك القادة السياسين في الصعوبات التي يعاني منها الجهاز، من خلال حضورهم ومشاركتهم في مشكلة استخلاص المعلومات الاستخبارية، واستعراض المعضلات التي تواجه عملية استخلاص الاستنتاجات. يجب أن تميز الاستنتاجات تقاريرها بين المعلومات التي أصبحت تقريرا يتعلق بالحقائق، وتقارير تتعلق بتقديرات الحاضر، ناهيك عن ما يتعلق بالمستقبل، إذ أن المستقبل هو مجرد تكهنات وتوقعات، ومن الخطأ الجسيم عرض تقرير وكأنه حقيقة، وخاصة فيما يتعلق بالتطورات المستقبلية، وحتى في التقارير المتعلقة بخطط العدو وقرارته التي علمت الاستخبارات بأنها قطعية يجب أن تاخذ في الحسبان إمكانية عدم تنفيذها نصاً وروحاً، وأن العدو قد يغير رأيه.
وتأسيسا على ماتقدم يجب أن تكون الاستخبارات واحدة من أجهزة الدولة وإدارتها، وأن تعمل بموجب التخطيط أو الهيكل العام الذي وصفته الدولة لعملها، وتزود الحكومة بالمعلومات التي تحتاجها من أجل صنع واتخاذ القرارات على المستوى القومي في المجالات الأمنية، والعسكرية، والسياسية، والإيديولوجية، والاقتصادية، ولأجل تنفيذ مضمون فعال لسياستهم في هذه الأنشطة، وتوفير الأمن والحماية من فعاليات الاستخبارات المعادية، والحركات السرية الداخلية، وتوفير أمن العمليات والمجتمع، فإن الاستخبارات الجيدة تستطيع المساعدة في رسم سياسة جيدة، ولكن لا يوجد ضمان لتحقيق ذلك، حتى لو كانت تقديرات الاستخبارات دقيقة ومعطياتها صحيحة، فالسياسة تشتمل على عناصر أخرى غير نابعة من الاستخبارات كاختيار الأهداف القومية، أو وضع افتراضات ليست لها علاقة بعمل الاستخبارات.


المبحث الرابع
المعلومات وعلاقتها بتقانة المعلومات
اتسمت المسيرة التطورية للحياة البشرية على مراحل التاريخ بالمتغيرات العديدة التي نتج عنها التطورات في جانب المعرفة، وأدى إلى ظهور مدارس ونظريات ساعدت في توسع هذا الحقل، ونتج عنه كثير من الحقول العلمية، والتي غطت كافة المجالات الإنسانية وسعت في بنائها، وظهرت التكتلات الاجتماعية، وبرزت دويلات المدن، فالامبراطوريات، ثم الدول الحديثة.
تطور الجهاز الإداري لقيادة الدولة، فضمت هيكليتها الإدارية كافة المجالات، ورافقتها الثورات التقنية، وأصابها ما أصاب المجتمع من سراء، أو ضراء، فمن الحجارة واكتشاف النار إلى الرماح والنبال، ثم ظهور الماكنة حتى جاءت الثورة الصناعية، ومانتج عنها من تطورات، وصولا إلى مجتمع ثورة المعلومات، التي رافقتها تراكم هائل من البيانات والمعلومات والمعارف، بسبب تزايد عدد المنظمات الفاعلة في المجتمع، والاهتمام بالجانب المعلوماتي.
أدت الاكتشافات العلمية إلى تطور التقنيات والعلوم الهندسية، وظهور علوم الحاسبات وتفرعاتها، فأصبح رمز هذا العصر هو الحاسوب، وأما تفرعاته فهي التقانة المحيطة به، أو ما يطلق عليها بتقانة المعلومات. لقد حقق هذا الصنف من العلم أهمية كبيرة للمجتمع، ابتداءا من تقنيات البيت وصولا إلى تقنيات الدولة.
كانت لتقانة المعلومات أثرها الإيجابي والفاعل والحيوي من خلال تداخلها مع بقية العلوم المعرفية والمعلوماتية. لذا سيتم دراسة المعلومات وعلاقتها بتقنية المعلومات بموجب ثلاثة مطاليب: يتضمن المطلب الأول مفهوم تقانة المعلومات، و المطلب الثاني يدرس أهمية تقانة المعلومات، أما المطلب الأخير فيتناول تقانة المعلومات وعلاقتها بثورة المعلومات.
المطلب الأول
مفهوم تقانة المعلومات
تعد تقانة المعلومات بمثابة القلب النابض في مختلف منظمات الأعمال، إذ تساهم في تسهيل انسيابية القرارات المناسبة وتوجه وتنفذ مختلف عملياتها، فهي مصدر حيوي لديمومتها وبقائها وتمييزها التنافسي.
تتضمن تقانة المعلومات الأجهزة والبرامجيات وقواعد البيانات وشبكات الاتصال وتطبيقاتها والوسائل الأخرى. "بمعنى أنها تشمل المكونات المادية والبرامجيات في الحاسوب، اللذان يشكلان الضلعان المتقابلان في مثلث المعلوماتية، وقاعدتهما المعلومات والمعرفة، وحصيلتهما النهائية أنهما المنظومتان اللتان تشكلان علم المعلوماتية"( ).
تعرف تقانة المعلومات "بأنها أدوات ووسائل تستخدم لجمع المعلومات، وتصنيفها، وتحليلها، وخزنها، أو توزيعها"( ). فمصطلح تقانة هي ترجمة لكلمة (Technology)، وقد تسيدت هذه الكلمة في المرحلة الثانية للتطور الاجتماعي بعد انطلاق الثورة الصناعية، ولكن هذا المصطلح توسع وأخذ يشمل مفاهيم كثيرة مع التطور الحاصل الذي شمل كافة المجالات، واستقطب إليه الكثير من الباحثين والمهتمين ضمن هذا المجال. فقد عرفها (Daft) بأنها: "الأساليب المكننة، والأنشطة التي تسخدم لتحويل المدخلات التنظيمية كالمواد، والأفكار، والمعلومات، إلى مخرجات كالخدمات والسلع"( ).
لكن حسين يعتبر تقانة المعلومات بكل أبعادها وقدراتها بأنها: "من الأمور المهمة الاستراتيجية التي تساهم وبفاعلية في تمكين منظمات الأعمال واعتبارها مورداً مهماً لها، بل وأصبحت من الأبعاد الأساسية للعملية الإدارية"( ).
ويعتقد (Boddy et al) وآخرون أن: "التقانة تلعب دوراً مهما في بناء البنية للمنظمة لتوصلها إلى العالمية، وتوقد البواعث وتدفع الأفراد للمشاركة باستخدام المعلومات، وتقدم أدوات عديدة لمساعدة المنظمات في الإدارة"( ).
فيما يرى العاني وجواد بأن: "تقانة المعلومات والمنظمات يكملون بعضهم البعض، ويؤثر كل واحد منهما على الآخر، وعلى المنظمة أن تتقبل آثار تطبيق تقانة المعلومات والتكيف معها والاستفادة من مزاياها لتطوير نظمها"( ). لكن(Hellriegelet al) وآخرون وصفوها: "بأن التقنيات هي الأدوات، الطرق، الإجراءات، والمكائن المستخدمة في تحويل الأشياء، والمواد، والمعلومات"( ). أما فيما يتعلق بمفهوم تقانة المعلومات فلقد تعددت الآراء حول نتيجتها لأثرها البالغ على التطورات التي شملت أغلب البنى الرئيسية للمجتمع، وتمثل تقانة المعلومات الجانب التقني من نظام المعلومات والبديل لتسميته، وقد مرت بمراحل تطور مترابطة والتي تنحصر بثلاث مراحل أساسية:( ).
أولاً: المراحل الأولية لتطور تقانة المعلومات، وتتمثل بثورة المعلومات والاتصالات بدءا من اختراع الكتابة والطباعة ومختلف أنواع مصادر المعلومات المسموعة والمرئية، واختراع الحاسوب، والتزاوج فيما بين تكنولوجيا الحاسبات المتطورة وتكنولوجيا الاتصالات المختلفة الأنواع والتطورات وصولا إلى شبكة المعلومات المختلفة وعلى رأسها الانترنيت.
ثانياً: المراحل المتوسطة منذ أوائل محاولات بناء الحاسوب والأجيال الأولى للحاسبات وبدايات مرحلة تناقل المعلومات عبر الأقمار الصناعية، والجيل الثاني للحاسبات.
ثالثا: المراحل الحديثة للتطورات التقنية، وتبدأ بالجيل الثالث للحاسبات وبناء النظم المحلية، والتي أطلقت عليها أساس الدوائر الألكترونية المتكاملة، والجيل الرابع للحاسبات والذي تميز بالتطورات الكبيرة للمكونات المادية والبرامجيات، وظهور المعالجات المايكروية، ونظم البحث بالاتصال المباشر، والجيل الخامس للحاسبات الذي يميز بتطور الحاسبات الميكروية، ونظم الأقراص المكتنزة، والانترنيت والتطورات الأخرى.
لكن (Ludon&Ludon) عبرا عنها: "بالإشارة إلى بنيتها التحتية، والتي من خلالها تستطيع المنظمة بناء نظام معلوماتها"( ). لكن عبد الفتاح يشير إلى أن تقانة المعلومات: "هو مفهوم يشير إلى مدى واسع من المواد والقدرات التي تستخدم لانتاج وخزن وبث واسترجاع المعلومات، أما مكوناتها الثلاثة وهي الحواسيب، وشبكات الاتصالات والمعرفة الفنية اللازمة"( ).
فيما ينظر (O'Brien) إليها من زاوية أخرى بأنها:"المورد الرئيسي الرابع للإدارة العليا لتشغيل المنظمة، وأن كثيرا من التنفيذيين يرى تقانة المعلومات كإمكانية تقنية لإدارة الوظائف والعمليات التنظيمية الداخلية، التي يجب أن تمتلكها الوحدات لمواجهة المنافسة بنجاح"( ).
فيما عرف مجموعة من الباحثين تقانة المعلومات: "بأنها مجموعة كاملة من وسائط العتاد الحاسوبي ووسائط الاتصال والمنتجات البرمجية، وكذلك أساليب وطرق ومناهج استخدامها من أجل تأمين جمع وإرسال وتخزين ومعالجة الأنواع الضرورية للمعلومات بهدف الاستفادة منها في مجال معين ولمهام محددة"( ).
أما قزانجي فيعبر عن تقانة المعلومات بوصفها: "الأدوات والأجهزة والوسائل الإلكترونية الرقمية والمتعلقة بالاتصالات عبر الاقمار الصناعية التي تستخدم في شبكات المعلومات ونظم المعلومات والاتصالات، ويكون لها القدرة الهائلة في الخزن والاسترجاع وايصال المعلومات إلى المستفيدين في جميع أنحاء العالم، في أي وقت، وفي أي مكان، لتزودهم بما يحتاجون في عملهم وثقافتهم وتعليمهم ومنفعتهم( ).
ومن خلال ملاحظة المفاهيم السابقة، نجد أن الباحثين قد اختلفت وجهات نظرهم حول مصطلح تقانة المعلومات، نظراً لاختلاف مدارسهم ودرجات تعاملهم مع هذا النوع من العلوم، ولتداخل موضوع تقانة المعلومات مع مواضيع علمية أخرى. يمكننا أن نعطي مفهوماً آخر لتقانة المعلومات: بكونها نظريات وتطبيقات علمية فلسفية ذات صبغة معرفية تقنية، ظهرت عبر عصور متوارثة، وتسيدت في عصر ثورة المعلومات ضمن إطار المعلومات والتقنية بكافة مستلزماتها، وهي تهدف إلى رفع الإمكانية والكفاءة للمنظمة بما يتلائم وروح العصر.

المطلب الثاني
أهمية تقانة المعلومات
أصبحت تقانة المعلومات والمعرفة العلمية والتنظيمية هي المكون الرئيسي للثورة العلمية (ثورة المعلومات) فأغلى عناصر الإنتاج وأندرها هي براءات الاختراع وأساليب البحث والتطوير، والحديث عن المعلومات العلمية والتنظيمية هو حديث عن المعلومات.
"أدى تسارع تطور تقانة المعلومات إلى تغلب المكون المعلوماتي على أشكال الثورة وتراجعت الأهمية بالنسبة إلى الموراد الطبيعية"( ). لذا فإن انتقال مركز الثقل في التطورات التقنية من معالجة المادة والطاقة، إلى معالجة المعلومات، أضحت التطورات في ميادين الألكترونيات لحظة فارقة في نوع التطور التقني.
لم يعد الأمر متعلق بانتاج السلع والأشياء بكميات كثيرة وسريعة، "بل أصبح الأمر متعلقا بتداول المعلومات ومعالجتها والانتقال من اقتصاد الأشياء إلى اقتصاد المعلومات"( ).
"اعتبر الكثير من الاختصاصين ضرورة إدخال تقانة المعلومات وتفاعلها مع مهارة وقدرة المديرين للوصول إلى اتخاذ القرارات اللازمة لتطوير منظماتهم، والتي تساهم في تحقيق أهداف المنظمة"( ). ولكن يرى بعض الباحثين أنه "عندما يتم دمج الاستراتيجية المدعومة بتقانة المعلومات مع بعض الموارد والقابليات، فإن المنظمة ستكون قادرة للحصول على الميزة التنافسية المستديمة، وهذه القابليات تشمل مهارات متعددة، مثل المهارات الإدارية والتقنية، والبنية التحتية لتقانة المعلومات"( ).
قدمت تقانة المعلومات دعما كبيراً ومستمراً للأفراد، والمنظمات، والمجتمع على طول الفترة الزمنية السابقة واللاحقة للوصول إلى تحقيق أهدافهم، لكونها توفر الوسائل، والأدوات، والتقنيات المساعدة في هذا المجال، لذلك فهي:( ).
أولاً: تعد مورداً مهماً لأي منظمة لتشكيل الأبعاد الأساسية للعملية الإدارية من خلال أنظمة الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات وتطبيقاتها.
ثانياً: استخدامها في استراتيجيات الأعمال لتحسين الوضوع التنافسي للمنظمة على مستوى التصنيع واقتصادياته ونشاط توزيعه وتسويقه.
ثالثا: لها أهمية في توليد ونقل المعرفة، لاستجابتها لاحتياجات المستخدم وسهولة الوصول إلى بنية ومضامين محتوياتها، وتكامل أنظمتها وقدرتها وقابليتها على التوسع والتطور( ).
يمكن اعتبار التقانة في عصرنا الحالي وبضمنها تقانة المعلومات هي التي تكيف حياتنا في جميع المجالات المدنية والعسكرية، وعلى مختلف المستويات. نحن نقيس عصر ثورة المعلومات والحواسيب أكثر من عصر الذرة والسفن الفضائية، " وإن قياس الأمة حالياً يعتمد على مدى قدرتها ومواردها على تصنيع واستيعاب التقنية الحديثة واستثمارها، وفي هذا العصر نجد أن الدول العظمى وحدها هي التي تمتلك القدرات البشرية والاقتصادية والطبيعية المتمثلة بالعلماء والموارد المالية والوسائل العلمية الكافية للسير في مجال البحث والتطوير. ولا يمكن اعتبار دولة ما مستقلة فعلا، ما لم يتم توفير الحد الأدنى من المتطلبات التقنية والمادية لها"( ).
وتأسيساً على ما تقدم نعتقد أن تقانة المعلومات من الأمور ذات التطور الهائل والسريع في عصرنا الحالي، وخاصة في مجال المعدات المادية والبرمجية. يتطلب من المنظمات أن تجاري وتتفاعل مع هذا التطور لكون تقانة المعلومات هي العمود الرابع في بناء المنظمة، ويتطلب تفعيلها اشراكها في تغير الحياة الاجتماعية، والعمل في المنظمة والفعاليات المرتبطة بها وتحويلها إلى أنظمة معلوماتية قادرة على التفاعل ضمن بيئة المنظمة لكي تدخل ميدان التنافس في سوق العمل.
واجهت تقانة المعلومات والمنظمات تغيرات وتطورات كثيرة فرضت عليهما التداخل والعمل سوية تحت كافة الظروف لتحقيق الأهداف، وإلا ستصاب المنظمة بكثير من التخلف وعدم المقدرة على تجاوز العقبات مما يؤدي إلى استنزاف الوقت والجهد، وأصبحت جزءًا من حياة الناس وتعاملهم اليومي، وأصبحت من الأمور الضرورية التي لايمكن الاستغناء عنها لتمثل حالة التطور في الحياة الإنسانية .
المطلب الثالث
علاقة تقانة المعلومات بثورة المعلومات
يجمع الباحثون والدارسون لظاهرة التطور التقني، بأن البشرية عرفت ثلاث ثورات تقنية أو صناعية، لكنهم يختلفون حول بداية هذه الثورات ومضامينها.
انطلقت ثورة المعلومات التي هي جزء من بحثنا في بداية السبعينات من القرن الماضي، وتعتمد مادتها الأساسية ومصادرها المتجددة على التدفق اللامتناهي واللامحدود للمعرفة والأفكار، "وترتكز على ثلاثة عناصر أساسية: المعلوماتية والاتصالات، وثورة العقول الإلكترونية، وثورة التقنية الحيوية"( ).
تعتمد ثورة المعلومات على عناصرها الأساسية التي تشمل: "الكمبيوتر، البحث العلمي والمعرفة، والحياة والبيئة الاجتماعية والبايلوجية للكائنات الحية، وعقل الإنسان، وهم عماد الثورة الصناعية، أو الثورة العلمية الثالثة"( ). فألفلن توفلر: "يسميها الموجة الثالثة - ويعني بها مجتمع الأعلمية في العلاقات الإنسانية، حضارة الإصغاء للاخرين"( ). فيما يرى عبدالهادي أنها: "ليست ثورة معلومات، وإنما نحن نعيش مجتمع المعلومات، وهو مجتمع غير واضح المعالم وبشكل تام، لأنه مفهوم يرى التحول من مجتمع صناعي إلى مجتمع حيث المعلومات في أكثر أشكالها اتساعا وتنوعا هي القوة الدافقة والمسيطرة، وهو المجتمع الذي يعتمد على استثمار التقنية الحديثة في انتاج المعلومات الوفيرة، وايصالها من أجل تقديم كافة التحديات على نحو سريع وفعال"( ).
أما ولتر برستن فينظر إليها على: "أنها مجموعة تغيرات تحدثها تقنية المعلومات، وأهم تغيرين اثنين فيها"( ).




رد مع اقتباس
  #5  
قديم December 16, 2016, 04:35 PM
 

أولاً: تقنية الاتصالات الجديدة، وتمثل مجموعة من التقنيات أو النظم المختلفة التي يتم توظيفها لمعالجة المضمون، أو المحتوى الذي يراد توصيله من خلال عملية الاتصال الجماهيري، أو الشخصي، أو التنظيمي، أو الجمع الوسطي، وإن أبرز عناصرها هي منظومة الأقمار الصناعية والانترنيت والهاتف النقال.
ثانياً: أجهزة الكمبيوتر وتقنياتها، "وتتكون من عتاد الكمبيوتر والعناصر الأخرى التي تشمل وحدة المعالجة المركزية، ووحدة الذاكرة، ووسائل تخزين البيانات، وملخصات الإدخال والإخراج"( ).
وتأسيسا على ما تقدم، نرى أن جوهر ثورة المعلومات هو تقنيات المعلومات من عتاد وشبكات الكمبيوتر وبرامجيات الحاسوب والشبكات ومزودات قواعد البيانات ومحطات اتصال البيانات. بالإضافة إلى العنصر البشري صانع المعرفة، وهو الأهم في هذه المنظومة المتكاملة، ويعتبر المعادل الموضوعي لموارد النظام المادية، أي بمعنى أن المعلوماتية عبارة عن منظومة ثلاثية الأبعاد تشمل: (العتاد، البرامجيات، المواد المعرفية)، وتمثل المظلة التي تجبُ حقل المعرفة وتضم بجانبها كل من تقنية المعلومات ونظم المعلومات.
تعد نظم المعلومات من الأمور الداعمة لإدارة المنظمة، وهي تعمل على تلبية احتياجات الإدارة الاستراتيجية من المعلومات الضرورية لأغراض اتخاذ القرارات، وتحتوي على أدوات التحليل والنمذجة، وتستخدم حزم برامجية جاهزة لإنتاج الأشكال البيانية، والتي تحلل وتوجز نتائج النشاطات الآنية والمتوقعة، وتُعدُّ بمثابة منظومات مساندة وداعمة للإدارة العليا بما تقدمه من دعم متعدد الوسائط ومتنوع الأشكال.
ونتيجة لتطور تقانة المعلومات جرى استحداث نظم معلومات استراتيجية ذات قدرة على تقديم دعم آلي وذكي للإدارة العليا، وتتضمن (النظم الخبيرة، والذكاء الصناعي)، مندمجة في نظم المعلومات الاستراتيجية، والمتميزة بدعمها المباشر لقيادة المنظمة وسهولة استخدامها، وبكونها تمثل نظام يستند إلى قواعد البيانات والنماذج، وتعمل على نشر وتوزيع القدرات في معالجة وتحليل البيانات ونمذجة المشكلات واقتراح الحلول بدلاً من تقديم المعلومات التي تحتاج إليها إدارة المنظمة، وباختصار مثلما تُعدُّ نظم المعلومات من القواعد الأساسية لبناء وتطوير المنظمات الإدارية يرى الباحث أن تقانة المعلومات هي القاعدة المادية لتطور تلك النظم، وأن نظم المعلومات هي الأداة التي لا غنى عنها للانتقال بتقانة المعلومات بمستوى المعلومات إلى مستوى استثمار المعرفة والذكاء الصناعي والإنساني معاً وتحقيق تراكم للذاكرة التنظيمية للمنظمة، وينتج عنه تراكم نوعي ينمي المعرفة الشاملة والمدمجة بكافة أشكال التقنية. بمعنى آخر أن المنظمة يجب أن ترتكز على ثلاثة عناصر أساسية؛ هي تقانة المعلومات وقلبها النابض (الكمبيوتر، ونظم المعلومات)، وتقانة الاتصالات، ومنظومة إدارة المعلومات.










الفصل الثاني
المعلومات ودورها في بناء الاستراتيجيات

المبحث الأول: الاستراتيجية... الشمول والتخطيط.
المبحث الثاني: الاستراتيجية السياسية والاقتصادية.
المبحث الثالث: الاستراتيجية العسكرية.
المبحث الرابع: التقنية والمعلومات وتفعيلها للاستراتيجية الأمريكية
الفصل الثاني
المعلومات ودورها في بناء الاستراتيجيات
توطئة
تعد الاستراتيجية من بين المفردات التي أثارت جدلاً واسعاً في الأدب السياسي الاستراتيجي. فكلمة استراتيجية تستخدم استخداماً واسعاً من قبل الباحثيين في الشؤون العسكرية، فحينما نتكلم عنها لابد أن نتكلم عن الحروب والصراعات الدولية، لكون تعبير الاستراتيجية متعلق بالحرب.
يعد التاريخ العسكري المورد الأبرز والأهم للتاريخ البشري غزارة ووفرة للمعلومات عن الاستراتيجية، وهو الأكثر خصوبة، والغني بالخبرات والمعطيات والتجارب الحية الحلوة والمرة، ويفتح أبوابه للذين يستهوون القيادة السياسية والعسكرية، وللبحث عن الاستراتيجية والتنقيب عنها لأخذ الدروس والعبر والاستفادة من الجوانب الإيجابية التي على أساسها بني تعبير الاستراتيجية، وتطورت وتوسعت فأصبحت تضم في ثناياها كافة الاستراتيجيات السياسية، والاقتصادية، والنفسية، والعلمية، والعسكرية، وبموجبها تعلمت رموز الإنسانية كيفية التخطيط وصنع واتخاذ القرارت وتنفيذها لبلوغ الأهداف المتوخاه لتحقيق النصر أو الهزيمة.
ربط كبار القادة والمفكرين في الماضي الاستراتيجية بموضوع القوة العسكرية فقط، وكان هذا الربط ناقصا من وجهة نظر واقعية، لتعلق المفهوم في وقتنا الحاضر بجملة الأهداف والمصالح القومية للدول، والتي يمكن تحقيقها نتيجة الأعمال العسكرية، أو السياسية، أو الاقتصادية.
تعرض الكثير من المفكرين لهذا المفهوم، وهنالك من كتب فيه ككلاوس فيتز، وماوتوسي تونغ، وليدل هارت، وأندريه بوفر وغيرهم. وقد اجتهدو جميعا في تعريف وتحديدالاستراتيجية بمفهومها الواسع، والتي يطلق عليه الاستراتيجية العليا للدولة، أو القومية، أو الشاملة، ووضعوا لها أطرا وأسسا عامة.
خلص معظم الباحثيين المواكبين لعصرنا الحالي إلى أن الاستراتيجية في مفهومها الوافي هي الطريقة، أو الأسلوب التي تخص بها المنظمة ومواردها وتنظيم جهودها وأنشطتها الرئيسية بغية تحقيق أهدافها. وحين نتفحص الاستراتيجية والأسس التي تقوم عليها نجدها عبارة عن نهج معرفي معلوماتي، متطور على مر العصور، جاء نتيجة لتمازج المعلومات والتقنية واعتبارهما روح الاستراتيجية، ومن هذا المنطلق يظهر لنا أن هنالك ترابطا قويا ما بين الاستراتيجية، والمعلومات والمعرفة بشكل خاص، وإدارة المنظمة بشكل عام.
تعد دراسة المعلومات ودورها في بناء الاستراتيجيات ذات اهمية لذا يرى الباحث تقسيم الفصل إلى أربعة مباحث، يشمل الأول مفهوم الاستراتيجية، ويتناول الثاني الاستراتيجية السياسية والاقتصادية، ويدرس الثالث الاستراتيجية العسكرية، اما الرابع فيتضمن التقنية والمعلومات وتفعيلها للاستراتيجية الأمريكية.


المبحث الأول
الاستراتيجية... الشمول والتخطيط
تعد الاستراتيجية من المصطلحات التي كثر استعمالها وتداولها في العديد من مجالات الحياة، وهي من المفاهيم المتداولة في العلوم الاجتماعية المختلفة، وتستخدم للدلالة على أكثر من معنى واحد. وبالرغم من منشئها العسكري إلا أنها تطورت مع متطلبات بناء الدولة، ولا يقتصر وجودها على القاعدة المادية العسكرية فقط، وإنما امتدت إلى مجالات متعددة أخرى، لتشمل النهج والتخطيط الذي يتناسب في ضوء احتياجات ومتطلبات الواقع العلمي والعملي، وبمختلف معطياته السياسية، والاقتصادية، والتقنية، والاجتماعية، والعسكرية.
ولأهمية هذا المبحث تم تقسيمه إلى ثلاثة مطاليب: تضمن المطلب الأول مفهوم الاستراتيجية، والمطلب الثاني يتناول الاستراتيجية القومية الشاملة (الاستراتيجية العليا)، أما المطلب الأخير فيدرس البناء المعلوماتي للمنظمة وأثره على التخطيط الاستراتيجي.

المطلب الأول
مفهوم الاستراتيجية
يعد مفهوم الاستراتيجية من المفاهيم المتداولة في كافة النشاطات الإنسانية المختلفة، وتستخدم للدلالة على الهدف الذي ينشده الفعل. وهو إطار ذو أبعاد شمولية علمية يرتبط بنجاح منظمة الأعمال ومستقبلها، ويستخدم استخداما واسعا من قبل الباحثين والمفكرين في الشوؤن السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والعلمية، وبموجب هذا الاستخدام تعددت اتجاهات وأفكار الباحثين من مدنيين و عسكريين في تناول هذا المفهوم دون تحديد واضح لمعناه، أو لتعريفه، وما هي حدوده، مما يؤدي إلى الغموض وعدم الوضوح لدى الكثير من المفكرين.
إن مصطلح الاستراتيجية (Strategy) قديم وعريق، اشتق من الكلمة الإغريقية (Strato) بمعنى جيش، أو حشد، ومن مشتقات هذه الكلمة(Strategos)، والتي تعني فن القيادة( ).
ولم تكن تستخدم هذه الكلمة حتى نهاية القرن الثامن عشر، وجاء استخدامها نتيجة للتطورات التي حصلت في أوروبا وخاصة في الشوؤن العسكرية، وظهور علم إدارة الحرب، ومحاولة تدريسه في الكليات والمعاهد العسكرية، ولقد استخدمت لأول مرة عام (1789 م) من قبل الكاتب الفرنسي جولي ميزروا المختص في الشوؤن العسكرية( ).
برزت هنالك تعددية في الاستخدامات المعاصرة لتعبير الاستراتيجية وشملت ميادين عديدة، كالموقع الاستراتيجي، والخطة الاستراتيجية، والقرار الاستراتيجي، سواء كان سياسياً، أو اقتصادياً، أو عسكرياً، والسلاح الاستراتيجي... فلا بد من التأكيد أولا بأن تعبير الاستراتيجية ذو أصل عسكري، ومن الناحية التاريخية ارتبط بلفظ الحرب وقيادتها، ثم بعلم الحرب.
توسعت استخدامات الاستراتيجية بعد الحرب العالمية الثانية، وأخذت تغطي كافة الاتجاهات المدنية والعسكرية.
برز عدد من الكتاب والباحثين في المجال المدني والعسكري للبحث في مفاهيمه، فقد عرف (Chandler) الاستراتيجية على أنها: "تحديد الأهداف الأساسية طويلة الأمد للمنظمة، واختيار طرق التصرف وتخصيص الموارد الضرورية لتحديد تلك الأهداف "( ). أما (Mintzberg) فيرى أن الاستراتيجية: عبارة عن خطة موضوعة تحدد السياقات وأسلوب التصرف، فهي الدليل للتعامل مع موقف محدد، وهي مصممة لتحقيق الأهداف، وهي سلوك فيه من الخداع للوصول إلى الغاية( ).
لكن(Steiner) قدم مجموعة من التعاريف لمفهوم الاستراتيجية منها( ):
أولاً: الاستراتيجية التي تشير إلى القرارات التوجيهية الأساسية، أي بمعنى الأغراض والرسالة والمقاصد الأساسية.
ثانياً: الاستراتيجية ما تقوم به الإدارة العليا من الأعمال ذات أهمية كبيرة للمنظمة.
ثالثا: الاستراتيجية تتألف من مجمل الأفعال والإجراءات المهمة الضرورية لتحقيق هذه التوجهات.
رابعا: الاستراتيجية هي المعنى المحدد للإجابة على سؤال ماذا يتعين على المنظمة أن تفعل.
خامساً: الاستراتيجية تشير إلى الغايات التي تسعى المنظمة إلى تحقيقها وكيف يتسنى لها ذلك.
في حين يرى حسن بأن الاستراتيجية: "هي عملية مستمرة لتنظيم وتنفيذ القرارات الحالية وتوفير المعلومات اللازمة وتنظيم الموارد والجهود الكفيلة لتنفيذ القرارات وتقيم النتائج بواسطة نظام معلومات متكامل وفعال"( ). لكن (Andrews) يوضح:"انها تمثل نمط القرارات التي تحدد وتكشف عن أهداف المنظمة واغراضها الأساسية، وتوليد السياسات والخطط لتحقيق تلك الأهداف ومدى الأعمال التي تواكبها المنظمة ومدى التنظيم الاقتصادي والإنساني وطبيعة المساهمة الاقتصادية وغير الاقتصادية التي تنوي تقديمها لمساهميها والعاملين فيها وعملائها"( ). اما (Porter) فيعرفها بأنها:"عملية تكوين وضع منفرد لمنظمة، ذي قيمة لعملائها من خلال تعميم مجموعة انشطة مختلفة عما يؤديه منافسون من خلال الأهداف المستخدمة من قبل المنظمة ووسائلها وإيجاد الموائمة بين انشطة المنظمة والبيئة في تحقيق هذه الأهداف"( ).
لكن من وجهة نظر الكتاب والباحثين السياسيين والعسكريين, فقد عرف (بوفر) الاستراتيجية بأنها: "فن استخدام القوة للوصول إلى هدف السياسة"( ). أما (مولاتكه) فعرفها بأنها: " فن الموائمة بين الهدف والوسيلة"( ).
لكن الدكتور غالي أشار إلى أن: "هدف الاستراتيجية يتحدد بالغايات التي ترسمها السياسة مستخدمة أفضل الوسائل التي تكون ضمن إمكانياتها"( ). فيما يرى الدكتور فهمي الذي شمل بتعريفه مجمل الثنايا الاستراتيجية، وقال إنها: "هي علم وفن استخدام الوسائل والقدرات المتاحة، في إطار عملية متكاملة يتم إعدادها والتخطيط لها، بهدف خلق هامش من حرية العمل يعين صناع القرار على تحقيق أهداف سياستهم العليا في أوقات السلم والحرب"( ).
من خلال ما ورد آنفا، توافق الباحثون في جانب واختلفوا في جوانب أخرى، فمنهم من اعتبر الاستراتيجية خطة لتحقيق الأهداف وفق سلوك معين, ومنهم من اعتبرها قرارت خاصة بالقيادة لتحقيق الغرض وفق نموذج يحتوي على مجموعة إجراءات واستفسارات، ومنهم من اعتبرها نشاط، والبعض وصفها بأنها علم وفن لاستخدام القوى لمساعده أصحاب القرار، والأبرع في هذا الجانب هم رجال السياسة والعسكريين، الذين يمزجون ما بين السياسة والعسكرية بسبب رؤيتهم وخبرتهم الواسعة في هذا المجال, ولكن الجميع اتفقوا على أنها تحقق الأهداف.
وتأسيسا على ما تقدم فإن الباحث يرى أن الاستراتيجية بمفهومها العام هي: نهج علمي فني وفكري شمولي تستند إلى معلومات ومعارف، لأنها حيوية وقابلة للتطوير يقوم بها الخبراء والاختصاصيين والباحثين، وهي أكثر غنى من العملية التخطيطية، يقع ضمن إطارها التخطيط الاستراتيجي، وأداة التغيير، وإدارة ثقافة المنظمة، وإدارة المعرفة والبيئة، وهي تمثل امتدادا وتطويرا جذريا لمفاهيم الخطة الاستراتيجية والمغذية لها، فهي تمثل تشخيص وتركيب لحاضر المنظمة بمنظور مستقبلي، وهي الإطار المرشد لمجموعة من الخيارات التي تحدد طبيعة تلك المنظمة واتجاهها، وتتصل تلك الاختيارات بالمجالات السياسية والاقتصادية والمعلوماتية والعسكرية والتكنولوجية والموارد. ولذا فإن الباحث يضع تعريف لتعبير الاستراتيجية بأنها: علم له إطار شامل يتفاعل مع العلوم الأخرى، يسير وفق منهج معرفي تستخدم فيه الموارد والقوى المتيسرة، والتي بتماس مع البيئة الداخلية لتولد مخرجات تساعد القادة السياسيين على تحقيق أهدافهم في البيئة الخارجية وتحت مختلف الظروف، والشكل رقم (11) يوضح تلك العلاقة.
الشكل رقم (11) يبين تأثير البيئة على مدخلات الاستراتيجية


الشكل من تصميم الباحث

المطلب الثاني
الاستراتيجية القومية الشاملة ( الاستراتيجية العليا)

مفهوم الاستراتيجية لم يعد قاصرا على الاستخدامات العسكرية، بل يشمل جميع العلوم الاجتماعية تقريباً، ففي مجال علم السياسة والعلاقات الدولية استخدم التعبير للدلالة على كيفية مواجهة، أو إدارة صراع بين قوتين متضادتين، أو كيفية استغلال كل طرف لعناصر قوته، ولعناصر ضعف خصمه لتحقيق النصر.
تعد عملية وضع استراتيجية ما، البحث عن أفضل الأساليب والطرق والأدوات المعتمدة للحصول على المعلومات الصحيحة لتحقيق الأهداف التي حددها السياسيون. وهذه الاستراتيجية كما يتضح ترتبط بغيرها من الاستراتيجيات لتشكل الاستراتيجية العليا للدولة، أو ما يطلق عليها بالاستراتيجية القومية الشاملة، والتي تضم بداخلها الاستراتيجيات الفرعية السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والنفسية( ). ولأجل فهمها بشكل دقيق فلا بد من معرفة رأي الكتاب والباحثين في تشعباتها وتفاصيلها، فقد عرفها القاموس العسكري الأمريكي بأنها: "فن وعلم تطوير واستخدام القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية والنفسية للأمة خلال السلم والحرب, لإعطاء أقصى دعم للسياسات القومية، وذلك لزيادة احتمالات النصر ونتائجها ولتقليل فرص الهزيمة"( ).
فيما يرى الكاتب المعروف أمين هويدي بأنها: "فن السيطرة على موارد الدولة أو مجموعة الدول، بما في ذلك القوات المسلحة لغرض تحقيق مصالحها, أو الحفاظ عليها من أي عدوان واقع أو محتمل"( ) .
لكن كلية الحرب الصينية عرفتها بأنها: "فن تطوير واستخدام القوة واستثمار موقف ملائم, حيث أن عند متابعة الهدف, أو خوض معركة حاسمة، فإن احتمالات النجاح تزداد بدرجة كبيرة"( ). فيما يصفها راؤول كاستيه بأنها: " فن السيطرة على المجموع الكلي لقوى الأمة في أوقات السلم والحرب"( ).
أما منير شفيق فأشار إلى أنها تعني: "فن توجيه وتعبئة مصادر قوة الدولة والتنسيق بينهما، وجعلها تعمل بأقصى طاقة وفاعلية من أجل تحقيق الأهداف السياسية"( ).
قادت هذه المفاهيم تطور المعنى الغرضي لوجود الدولة، وطبيعة المهام الملقاة على عاتقها، وامتدت عملية التخطيط إلى مجالات متعددة. لأن متطلبات بناء الدولة لا تقوم على بناء متانة قاعدتها العسكرية فقط، وإنما على قوة بنيان قاعدتها الاقتصادية، والمعلوماتية، والاجتماعية، وقدرتها على إقامة علاقات دولية متوازنة مؤثرة مع غيرها من وحدات المجتمع الدولي، وصياغة أنماط من التعاملات والتفاعلات السياسية الدولية التي لم تعد مختصرة على الجانب العسكري، إنما اتسع نطاقها وظيفياً لتؤمن متطلبات وحاجات غير عسكرية( ).
أخذت الدولة ترسم استراتيجيتها لا على أساس افتراضات الخيار العسكري، حيث تقتضي ضرورة الحرب، "إنما في ضوء احتياجات الواقع العملي ومختلف معطياته السياسية، والاقتصادية، والمعلوماتية، والاجتماعية، والعسكرية، وبشكل تؤلف فيه هذه الاستراتيجية كلاً لا يتجزأ. وبالتالي أصبحت الاستراتيجية ذات طبيعة شمولية، أو لنقل: أصبحت الاستراتيجية القومية، أو الاستراتيجية العليا التي تتفرع عنها أنواع من الاستراتيجيات المكملة بمعناها القومي، من سياسية، وعسكرية، وإقتصادية، ومعلوماتية، وما إلى غير ذلك". ( )
ارتبطت الاستراتيجية القومية بالسياسة العليا للدولة، فهي إذن ذات صفة سياسية. والسياسة العليا للدولة هي في واقعها ومكونها أهداف كبرى أوسع من أن تتحدد بالغرض العسكري.
لا يقتصر بلوغ الهدف من الناحية العملية على التخطيط فقط، إنما يفترض توفر الوسائل التي تعين عملية التخطيط وصولا للهدف.تفترض عملية الجمع بين الهدف والوسيلة توفر عنصر القدرة على استخدام الوسائل لإنجاز الأهداف. والقدرة على استخدام الوسيلة لإنجاز أهداف معلومة ينطوي في الواقع على علم، أو فن، أو مهارة، أي علم وفن استخدام الوسيلة. والفن الذي نقصده هنا هو: المهارة في تطويع الوسيلة لبلوغ الهدف باستخدام كافة الموارد والتقنيات العلمية. لكي يكون الفعل الاستراتيجي هادفا ومؤثرا وناجحا وقويما، فإنه ينطوي على فن استخدام المتاح من الوسائل والإمكانيات وصولا إلى الأهداف المراد تحقيقها. "فالسياسة هي مجال تحديد الأهداف، بحيث تندرج الاستراتيجية في إطارها، وتعمل على إنجازها، وإن كان الفكر الاستراتيجي يساهم في تحديد الأهداف، وذلك من خلال المعلومات والتحليلات والدراسات التي يقدمها الخبراء والفنيون في السياسة، والتي يأخذها رجل السياسة في عين الاعتبار، وتشكل أحد المدخلات التي تؤثر على تفكيره عند اتخاذ قراره بتحديد الأهداف"( ).
يمكن تعريف الاستراتيجية العليا في ضوء هذا التصور الشمولي بأنها "علم وفن استخدام الوسائل والقدرات المتاحة في إطار عملية متكاملة يتم إعدادها والتخطيط لها, بهدف خلق هامش من حرية العمل يعين صناع القرار على تحقيق أهداف سياستهم العليا في أوقات السلم والحرب"( ).
يفترض توافر عدة شروط عند صياغة ووضع الاستراتيجية العليا، والتي تشمل: ( وضوح الأهداف وتكاملها، واقعية الأهداف وحقيقتها، العقلانية والتخصص, الاستمرارية, المرونة ) ( ).
لم تعد الاستراتيجية العليا أمراً ترفياً، أو غير ضروري، "وإنما هي أسلوب في التفكير والعقلانية تهدف إلى دراسة علمية للواقع وللبدائل المختلفة، والاختيار العلمي بين هذه البدائل، ولتحقيق ذلك فإن الأمر يستلزم وجود معلومات دقيقة، إذ بدونها لا يمكن للاستراتيجية أن توضع بطريقة سليمة. كما يجب أن تتم دراسة المعلومات وتحليلها وتقييمها على أسس علمية تأخذ في تقديرها المناهج الحديثة لتحليل المعلومات بواسطة خبراء ومختصين. فوضع الاستراتيجية هو عملية فنية يقوم بها الخبراء"( ).
وتأسيسا على ما تقدم فإننا نستخلص من التعاريف التي أشار إليها الكتاب والباحثين بخصوص الاستراتيجية القومية (الاستراتيجية العليا)، بأنها تمثل قمة الهرم في الاستراتيجيات، وهي البودقة التي تذوب فيها كافة الاستراتيجيات الفرعية، وبالتالي فإنها ترتبط بإدارة صناع القرار، وهي تبحث عن كيفية تحقيق الأهداف العليا للدولة وحماية مصالحها، ويكون التخطيط الاستراتيجي فيها من اختصاص السياسيين لتنفيذ فكرة السياسة، وتتولى تنظيم وتوزيع الأدوار والقوى بين مختلف الاستراتيجيات الأخرى. وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بين هدف السياسة وما في وسع السياسة أن تؤمنه من وسائط لبلوغ الهدف. بمعنى آخر أن الاستراتيجية القومية هي استخدام محصلة القوة القومية لمجتمع ما لتحقيق أهداف الأمن القومي في ظل كل الظروف الحاضرة، أو المستقبلية، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم الأمن القومي، وأداة لتحقيقه في السلم والحرب، وفي مقدمتها بقاء الدولة في إطار الاستقلال والكرامة الوطنية، وصيانة المؤسسات والقيم والمبادىء الرئيسة للمجتمع. لذا فإننا سنعرف الاستراتيجية القومية (الاستراتيجية العليا) بأنها: علم وفن إدارة السيطرة على مجموع محصلات القوى القومية (بشرية – إقتصادية - نفسية – تنظيمية و إدارية – عسكرية - معلوماتية)، وفق تخطيط منهجي تستثمر فيه كافة الموارد لاختيار البديل الأفضل لتحقيق الأهداف القومية وفي مختلف الظروف, وهي من اختصاص مدراء المنظمات والخبراء الفنيين. والشكل رقم (12) يوضح العلاقة ما بين الاستراتيجية القومية والاستراتيجيات الفرعية.
الشكل رقم (12)
الاستراتيجية القومية (الاستراتيجية العليا) ومكوناتها من الاستراتيجيات الفرعيه.

الشكل من تصميم الباحث

رد مع اقتباس
  #6  
قديم December 16, 2016, 04:37 PM
 


المطلب الثالث
البناء المعلوماتي للمنظمة وأثره على التخطيط الاستراتيجي
تعترف الغالبية العظمى من منظمات الأعمال بأهمية البناء المعلوماتي بالنسبة لبقائها ونموها الطويل الأمد، وتستخدم المعلومات لمساعدة منظمات الأعمال لأداء أفضل عمل وتوجيه طاقتها للأسلوب الأمثل، والتأكد من أن عناصرها يحملون من الثقافة والمعرفة العلمية لتحقيق الأهداف المحددة.
يعني البناء المعلوماتي؛ عملية تحديد وصول المنظمة إلى ما تسعى إليه من خلال المعلومات التي اعتمدت عليها، وتوظيف الموارد البشرية والمادية بصورة صحيحة لغرض إنجاز وتحقيق تلك الأهداف.
يعد التخطيط الاستراتيجي حجر الأساس في حياة منظمات الأعمال. تقوم المنظمات بدراسة المعلومات المتعلقة بالاحتياجات والبيئة المحيطة بها داخليا وخارجيا، وتحليلها وبيان تأثيرها على إمكانية المنظمة، وما يحقق لها من فرص أو تهديدات، ويرافقها تشخيص إمكانياتها وقدراتها لمعرفة مواطن القوة والضعف فيها، وتقوم على أثرها بوضع الاستراتيجيات الملائمة لتتكيف مع المعطيات. ولغرض الوقوف على أهمية هذا المطلب فقد تم تقسيمه من قبل الباحث إلى فرعين: يتضمن الفرع الأول أهمية البناء المعلوماتي والاستراتيجي للمنظمات، أما الفرع الثاني فيتطرق إلى التخطيط الاستراتيجي.
الفرع الأول
أهمية البناء المعلوماتي والاستراتيجي للمنظمات
ثبت أن المنظمات التي تعتمد على المعرفة والمعلومات يكون أداؤها على المدى البعيد أفضل من غيرها من منظمات الأعمال، من حيث الإنتاج والنوعية، "وهي تهيئ مجموعة من العوامل التي تمتلك القدرة والفاعلية في التأثير على خفض التكاليف"( ).
يتفق الخبراء و الاختصاصيون في هذا المجال على "أن المعلوماتية تجعل المنظمة أكثر تركيزا على الاستراتيجيات الرئيسية التي يجب اتباعها، والإجراءات الواجب اتخاذها اذا ما أريد لها أن تحقق النجاح، وخاصة اذا اعتمدت على استراتيجية لتعزيز البناء المعرفي في ضوء الدراسة والتحليل لعوامل البيئة الداخلية والخارجية"( ).
يعد دخول المعلومات في البناء الاستراتيجي للمنظمات ذو أهمية كبيرة في سد الفجوات بين الكيفية التي يتخذ بها المدراء فعلا البناء المعلوماتي لمنظماتهم، وبين الوسائل التي اكتشفها الباحثون خلال السنوات الماضية، لتدعيم المكونات الأساسية للعملية الإدارية الاستراتيجية لتلك المنظمات، "والتي جاءت نتيجة خلاصة بحوث وتجارب علمية إضافة إلى الخبرة والحكمة"( ).
قدم أغلب المفكرين الإداريين المعاصرين البحوث والتجارب الخاصة بالإدارة الاستراتيجية، وأظهرت المكونات الأساسية للعملية الإدارية، وتم تحديدها بموجب هدف ورسالة المنظمة.
تعتمد عملية رسم الاستراتيجية على رسالة المنظمة وأهدافها الواضحة، وعلى إثرها يجري دراسة المعلومات المتعلقة بالبيئة الخارجية وعلاقتها بالمنظمة، وتقويمها لمعرفة مقدار الفرص المتاحة والمعاضل والتحديات التي تواجهها.
يجري تقييم البيئة التنظيمية الداخلية وفق الدراسة والتحليل، وبالنتيجة تقوم القيادة العليا بتحديد البدائل الاستراتيجية المتاحة، واختيار البديل الأمثل لوضعه في حيز التنفيذ، وتهيئة المناخ الإيجابي المحيط به ومراقبته وتقييمه.
تعد البيئة من الأمور المهمة الواجب مراقبتها من قبل المنظمة، وهي تدرس وتخطط لتحقيق أهدافها، "فلابد لها من التفاعل مع البيئات الخارجية، ويتطلب الأمر منها دراسة العوامل المختلفة لتلك البيئة بصورة مستمرة"( ).
تنوعت الاستراتيجيات وتغيرت وسائل صياغتها وأهدافها تبعا للتطورات المعرفية وبروز ظاهرة الاقتصاد المعرفي، الذي يتميز بالتنافسية بالاعتماد على قدرات المنظمة, "لذلك يتوقف نجاح المنظمة إلى حد كبير على مدى دراستها للعوامل البيئية المؤثرة والاستفادة من اتجاهات هذه العوامل ودرجة تأثيرها وتقييمها في تحديد الأهداف وتعديلها"( ). ويبين الشكل رقم (13) مكونات الإدارة الاستراتيجية وتأثير البيئة على الخيار الاستراتيجي.
الشكل رقم (13) مكونات الإدارة الاستراتيجية وتأثير البيئة عليها










الشكل من تصميم الباحث


تجري المنظمة العمليات التحويلية والتشغيلية على المدخلات الرئيسية للإدارة و الاستراتيجية ومكوناتها (الأفراد، المواد الخام، المعلومات )، ومصدرها البيئة المحيطة بالمنظمة، مما يؤدي إلى ظهور مخرجات تتمثل بمنتجات، أو قرارات. ويتكون هذا النظام من نظم فرعية متعددة،وتعتمد على بعضها البعض، وتعمل معا بحيث يحقق كل نظام فرعي أهدافه ليقود إلى تحقيق الأهداف العامة للنظام الكلي. وبظهور ثورة المعلومات التي امتزجت معها ثورتي الاتصالات وتقانة المعلومات، أصبحت هذه العناصر من المقومات الأساسية للاستراتيجية ومنظومتها المعاصرة، والتي بدونها لا يمكن مواجهة الظروف الداخلية والخارجية.
يجب أن تمتلك الإدارة الاستراتيجية من المعرفة العلمية بما يؤهلها للتفاعل مع البيئة المحيطة، إذ أصبحت عملية الدمج والموائمة والتفاعل مع هذه الثورات ضرورة ملحة. "فالمنظمات التي أسست مقوماتها على العوامل الثلاث (المعلومات، الاتصالات، الحواسيب)، حققت قفزات نوعية في انتاجها وسيطرتها على البيئة الداخلية والخارجية"( ).
يجري توضيح البيئة الخارجية من خلال مجموعة من التغيرات الاقتصادية، والتي تولد مجموعة أخرى من التغيرات السياسية، أو الثقافية، أو التكنولوجية، أو الاجتماعية.
يفترض أن تعي المنظمات وهي تقوم بجمع المعلومات عن هذه الأبعاد وتحليلها وفق منظور (pestle)، والذي يشمل كافة العوامل (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، التكنولوجية، القانونية، البيئية)، "ويمكن من خلاله صياغة الاستراتيجيات والخطط الاستراتيجية من خلال المساعدة في فهم البيئة التي تعمل فيها منظمات الأعمال الآن، أو في المستقبل"( ).
تعد التطورات الحاصلة في المجال التقني من أهم المؤثرات للبيئة الخارجية على المنظمات، فتقانة المعلومات والمنظمات يكملون بعضهم البعض، ويؤثر كل منهما على الآخر. "وقد مر الاثنان بعدة مراحل تطورية أدت إلى توثيق أواصر العلاقة بينهما، وقيام المديرون بتصميم تقنيات المعلومات نتيجة تلك العلاقة لصالح العمل في المنظمة"( ).
تحتم الضرورة على امتلاك المديرين المهارة والقدرة والقابلية على اتخاذ القرارات اللازمة لتطوير منظماتهم، وإدخال التقنيات الحديثة التي تساهم في تحقيق هذا الهدف، وإلا تخلفت المنظمة وأصبحت غير قادرة على التطور.
إن العلاقة بين المنظمات وتقنيات المعلومات هي علاقة ذات اتجاهين، فكل منهما يؤثر على الآخر ضمن مجموعة من العوامل ( كالمحيط الخارجي، والثقافة، والهيكل التنظيمي، وعمليات التشغيل )، إلى جانب المؤثرات السياسية الداخلية والخارجية( ).والشكل رقم(14) يوضح شكل وأبعاد هذه العلاقة.

الشكل رقم (14) العلاقة بين تقنية المعلومات وإدارة المنظمة



الشكل من تصميم الباحث

يجري جمع المعلومات والبيانات والحقائق عن العوامل المؤثرة التي تقع خارج سيطرة المنظمة وتحليلها والإحاطة الواسعة بها، لكي تمكن المنظمات من التخطيط والاستعداد لها، مما يدفع الإدارة الاستراتيجية إلى بناء منظماتها وفق سياق علمي معرفي، لكون التفاعل مع هذه العوامل يتطلب من العلم والمعرفة والتعامل مع التكنولوجيا الشيء الكبير، ويحول المنظمة إلى بناء علمي مهني اختصاصي تتميز إدارتها وعناصرها بالمعرفة والاحتراف( ).
وتأسيسا على ما تقدم، أصبح من الضروري على المنظمات الساعية لتحقيق النجاح في عملها دراسة وتحليل وتقويم المؤثرات الداخلية والخارجية للبيئة المحيطة للمنظمة، وتحويلها إلى فرص جديدة تدعم قدرتها التنافسية وتميزها الدائم، ويتطلب الأخذ بالأفكار العلمية وتطبيق تقنيات ونظم حديثة، وإيجاد أساليب متطورة لتعزيز وظائفها في كافة الميادين بغية الوصول إلى تحقيق الأهداف المحددة.
تبلورت فكرة اعتماد استراتيجية البناء المعرفي إلى الحاجة الماسة لمنظمات الأعمال التي تستخدم التقنيات والنظم الحديثة، وتعتمد على الخبرات والكفاءات العلمية والمعرفية المتعلقة في اختصاص إدارة المنظمات، وتنمية مؤهلاتهم المعرفية للتعامل مع تطبيقات التقنيات العلمية والنظم المتعلقة بإدارة الإنتاج لتحسين الخدمة، والوصول إلى طرق إبداع لمخرجات المنظمة لتقليل كلف العمليات، مما يؤدي للوصول إلى هدف المنظمة.
أصبح من الواجب على المديرين الاستراتيجيين اعتماد استراتيجية لتعزيز البناء المعرفي في منظماتهم، ويعتبر التفاعل بين تقنيات المعلومات والمنظمات عملية معقدة، تتأثر بعده عوامل وسطية بضمنها: هيكل المنظمة، وإجراءات العمل، وسياسة المنظمة، والعادات والتقاليد، والمحيط الخارجي والقرارات.
يتطلب البناء الاستراتيجي المعرفي مشروعا للدراسة والتحليل لعوامل البيئة الخارجية المتمثلة بالتطورات التكنولوجية، ويعتمد على تقنيات حديثة.
تستطيع المنظمة ذات الصبغة المعرفية من تقديم منتجات وخدمات وأهداف جديدة، تمنح المنظمة ميزة تنافسية عالية في المجال الذي تعمل فيه.
يزود التحليل والتقويم الاستراتيجي لعوامل البيئة التكنولوجية وبالاعتماد على استراتيجية البناء المعرفي للمنظمة القيادة العليا برؤية مستقبلية تمكن المنظمة على التكييف مع التغيرات لخلق الفرص واستغلالها، أو التخطيط لإنتاج أمور جديدة غير متوقعة.

الفرع الثاني
التخطيط الاستراتيجي
يمثل التخطيط الاستراتيجي تكنولوجيا منظمات الأعمال، فله أهمية في بقائها ونموها الطويل الأمد، ويساعدها على أداء أفضل عمل بتوجيه طاقتها نحو الأسلوب الأمثل.
تشكل الخطة الاستراتيجية العمود الفقري والمركز العصبي لمنظمات الأعمال، وتبنى على أساس المعلومات، والبيانات، والإمكانيات المادية والبشرية. يجب على جميع الإدارات، والشعب، والأقسام أن توحد نشاطاتها مع الخطة الاستراتيجية الشمولية للمنظمة، وتفعيل كافة الإمكانيات المادية والبشرية لتحقيقها.
يعد التخطيط الاستراتيجي عملية تسري في جميع مفاصل المنظمة "وتبدأ بعملية انتشار وتطوير خطط العمل والإدارات وغيرها، وبذلك يساهم الجميع في مفردات عملية التخطيط الاستراتيجي"( ).
حصل تطور كبير في الاستراتيجيات القائمة على المعرفة في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، ويعتبر التخطيط الاستراتيجي أحد نتاجات تلك الاستراتيجيات.
بدأ التخطيط الاستراتيجي بافتراضات عن البيئة، والاقتصاد، والمتغيرات الاجتماعية والسياسية، ونقاط القوة والضعف في المنظمة، "ويمكن أن يكون لتلك المعلومات دلالة استراتيجية قوية لتأصيل التخطيط الاستراتيجي ضمن ثورة المعلومات، واعتبارها مقومات فاعلة ومرشدة في تحديد مدى التفاؤل، أو التشاؤم في التنبوء بالمنتج والسوق على المدى الطويل"( ).
ازدادت أهمية التخطيط الاستراتيجي في عصر العولمة والانترنيت، والمتغيرات المتلاحقة، والمنافسة الحادة المتأتية من البيئة الخارجية، "وأصبحت المنظمة معنية أكثر من أي وقت مضى للتعرف على كل ما يجري خارج حدودها، بما في ذلك المتغيرات والمعطيات الاقتصادية الدولية"( ).
ولغرض تسليط الضوء على موضوع التخطيط الاستراتيجي فقد جرى تقسيمه إلى فقرتين: الأولى وتبحث في مفهوم التخطيط الاستراتيجي، والثانية تبين مدارس التخطيط الاستراتيجي.

أولاً: مفهوم التخطيط الاستراتيجي

تعد عملية التخطيط الاستراتيجي عنصرا هاما من عناصر العمليات الإدارية للأجهزة الحكومية والمنظمات المعاصرة. وقد ازدادت أهميتها باتساع دور الحكومة، وتنوع مهماتها، وتضخم أجهزتها، وطموح أهدافها.
كان لهذه العوامل الأثر الكبير في تنبيه الحكومات والمنظمات في الأنظمة المختلفة إلى ضرورة ترشيد أدائها لتحقيق الأهداف المطموحة للعمل، "ولذلك توضع خطط استراتيجية وبرامج مستقبلية توضح مسار التنفيذ ووجهته، وتنسق مختلف أجزائه، وتحدد الأهداف المرحلية والنهائية الواجب الوصول إليها، وتوضح البرنامج الزمني للتنفيذ"( ).
راج مفهوم التخطيط طويل المدى في منتصف الستينات من القرن الماضي. وقد اهتمت الحكومة الأميريكية في حينها بعملية التخطيط الاقتصادي، وتبنت بعض المنظمات أساليب التخطيط والبرمجة.
"تعرض التخطيط الطويل المدى لانتقادات بسب تجاهله للوسائل والأدوات اللازمة للتخطيط، ومن هنا ظهر التخطيط الاستراتيجي ليحل محل مفهوم التخطيط طويل المدى"( ).
لعب التخطيط الاستراتيجي دورا مهما في بناء المنظمات، وقد نال مفهومه اهتمام الكتاب والباحثيين، فقد وصفه جونز: "بأنه تطوير نظامي لبرامج الأفعال، الغاية منه تحقيق الأهداف من خلال عملية جمع المعلومات والبيانات وتحليلها وتقييمها واختيار الفرص الملائمة"( )، لذلك يسهم التخطيط الاستراتيجي في اختيار الاستراتيجيات والتكتيكات الملائمة لبلوغ الأهداف، ويعد الوظيفة الأساسية لتوزيع الموارد التنظيمية (المادية، والبشرية، والمالية، والمعلوماتية). فيما يرى آخرون بأنه : "عملية تنطوي على صناعة قرارت تفصيلية قصيرة أو طويلة الأمد تتعلق بنوع العمل والمنظمة أو الشخص المنفذ له وكيفية التنفيذ"( ). واشار إليه هوشي فعرفه: "بأنه جزء مهم من الإدارة وعنصر حيوي من عناصرها، لأنه يعبر عن إدراك المستقبل وتهيئة مستلزمات التعامل معه، فهو يجسد الأفاق الفكرية والفلسلفية للإدارة ويواكب مراحل تطورها"( ). فيما يصفه د. حسين بأنه: " المعلومات التي تبحث بالبيئة الخارجية والتي تؤثر في المسار المستقبلي للمنظمة، وغالبا ما تكون تلك المعلومات أكثر عمومية"( ). لكن ستينر يرى بأنه: "عملية تحديد الأهداف الرئيسية لمنظمة الأعمال، وكذلك تحديد السياسات والاستراتيجيات التي تحكم العمليات واسخدام الموارد بشكل دقيق لتحديد تلك الأهداف، ويقوم على أربعة عناصر أساسية" وهي( ):
1. المستقبلية في اتخاذ القرارت:أي ضرورة تحديد بدائل يمكن اتباع أي منها مستقبلا، وعندما يتم الاختيار يصبح ذلك البديل الأساس في جميع القرارات التي من خلالها تتكامل المعلومات ذات العلاقة، وتعطي الأرضية الملائمة لاتخاذ القرارت المتعلقة باستكشاف التهديدات وتجنبها.
2. العملية: أي أن التخطيط الاستراتيجي عملية تبدأ بتحديد الأهداف ثم السياسات وطرائق الوصول إلى الاستراتيجيات، وتطوير الخطة التفصيلية للتأكد من تنفيذ تلك الأهداف.
3. الفلسفة: التخطيط الاستراتيجي هو اتجاه وطريقة في الحياة وجزء مهم من العملية الإدارية، وهو لا يمثل فقط سلسلة من القواعد والإجراءات والمسائل، وإنما يمثل اعتماد نوعي يعتمد على الدراسة والمعرفة التي تقوم عليه المنظمة.
4. الهيكلية: عبارة عن عملية منظمة تسعى لتحديد الغايات والأهداف والسياسة والاستراتيجيات التشغيلية. وهي تعمل على وضع الخطط التفصيلية المبنية على المعلومات والمعطيات لتصبح سهلة المفهوم والإدراك عند التطبيق وصولا إلى تحقيق أهداف المنظمة.
تعد عملية التخطيط الاستراتيجي بكافة أبعادها لتكون شمولية لمختلف القطاعات السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، وبمنظوماتها القيادية والمرؤوسة. مما يؤسس لها قاعدة للبيانات وتداول المعلومات بين قيادة المنظمة وفروعها، وتعكس احتياجات القيادات الفرعية وتوقعاتهم داخل المنظمة، وتطلعات الجهات الخارجية.
وعليه فقد عرف التخطيط الاستراتيجي بأنه:" الصياغات بعيدة المدى والخطط الاستراتيجية، والسياسات التي تحدد أو تغير خصائص أو توجهات المنظمة، فهي تشمل قرارات مبنية على معلومات تنصب على تقدير الأهداف، والتغيرات في تلك الأهداف، والموارد المستخدمة لبلوغها، والسياسات التي تنظم اكتساب واستخدام الموارد"( ).
يعد التخطيط الاستراتيجي عملية متطورة ومتغيرة، "ويربط ثلاثة أنواع من الخطط مع بعضه البعض"( ) (القصيرة المدى، والمتوسطة المدى، والاستراتيجية). يتم توزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات بموجب الهيكلية المذكورة، وتحدد شبكات الاتصال وانسياب البيانات والمعلومات بين مختلف المستويات التنظيمية والإدارية.
تعد الاتصالات هي الشريان الرئيسي الذي يغذي المنظمة، ويتم من خلاله تبادل الآراء، والأفكار، والمعلومات، والاقتراحات، والإرشادات، والسياسات.
يهدف نظام الاتصالات إلى نقل المعلومات بشكل ألكتروني عبر مسافات بعيدة، وله أثر كبير وفعال في بناء وتطور المنظمات والشركات.
يواجه المدراء وأصحاب القرار تحديات كبيرة في اختيار تقنيات الاتصال والخدمات المطلوب تطبيقها في المنظمات لتوافق هذه التقنيات والخدمات للرقي بها خدمة لأنظمة المعلومات وتأدية وظائف ومهام المنظمة"( ).
يعد التخطيط الاستراتيجي عملية علمية نظامية، ويساهم في كيفية انتقال المنظمة من وضعها الراهن إلى مستقبلها المرغوب، من خلال اتخاذ خطوات وقرارات تستند بالأساس على مجموعة من التساؤلات الاستخبارية (أين، كيف، متى)، بمعنى أن التخطيط الاستراتيجي عمليات مستمرة ومعقدة، ووظيفة أساسية من وظائف الإدارة تتعلق بإعداد الخطط المبنية على المعلومات والبيانات وتنفيذها، ومراقبة سير عملها وتقييمها. في حين أن الخطط هي إحدى عناصر ومكونات التخطيط كنتائج نهائية يتم وضعها بجهد عقلي لتحديد سلوك يجب الإلتزام به( ).
والشكل رقم (15) يوضح عملية التخطيط الاستراتيجي...

الشكل رقم (15) عملية التخطيط الاستراتيجي للمستوى الأعلى للمنظمة.




د.خالد محمد طلال، وائل محمد إدريس، الاستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي، 2007، ص11.
تبنى الخطة الاستراتيجية على افتراضات متعدده قائمة على أساس المعلومات وتحديد البيانات والأبعاد الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والتكنولوجية... "وإن استخدام هذه المعلومات والبيانات والمعطيات من قبل التخطيط الاستراتيجي يجعل فيه تخطيطا متفائلا، أو قد يكون التخطيط الاستراتيجي متشائما في حالة مواجهة معوقات وصعوبات في عملية جمع المعلومات والبيانات وتحليلها لغرض وضع الخطة الاستراتيجية"( ).
يواجه التخطيط الاستراتيجي عند تحويل خياراته إلى خطط عمل تفصيلية، اختلاف وتباين، وإن الأسباب المؤدية إلى ذلك الاختلاف تشمل ما يأتي( ).
أ. مفهوم المستقبل ومستوى إدراك الإدارة له، يمثل زمن قادم غير محدد قد يكون بعضه واضحا والآخر غامضا، وقد يبدو مستقرا، أو مضطربا، فالحركة الدائمة لا تضع فواصل بين الحاضر والمستقبل، وإن الحاضر والمستقبل عبارة عن دائرة غير محدودة تتبادل التأثير مع المنظمة، فالإدراك وتقويم وتحديد الاتجاه المستقبلي يختلف من منظمة إلى أخرى.
ب. الوسائل المستخدمة في مواجهه المستقبل كتحديد الأهداف، وطرق إنجازها تختلف من منظمة إلى أخرى.
مزايا التخطيط
يعد التخطيط الاستراتيجي الأسلوب الأساسي الذي يساعد المنظمة في مواجهة الأزمات والظروف المتنوعة والمتغيرات. ويحافظ على مستوى الاستقرار وتأسيس وعي تجاه المستقبل المنشود. ويمكن للمنظمة من تخطي العقبات وضمان حالة التطور والنمو، ولهذا فإن هنالك ثلاثة مزايا أساسية للتخطيط( ).
(1). يساعد التخطيط في الكشف عن الفرص المستقبلية.
(2). يمكن الخطيط من اتخاذ الحيطة والابتعاد عن العقبات المستقبلية.
(3). يوفر التخطيط الخطط المتعددة لمواجهة التغيرات الجارية في البيئة.
تتفاعل المنظمات مع بيئات دائمة التطور والتغيير، ولكي يكون هذا التفاعل مجديا يتطلب من قيادات المنظمات الاهتمام الجدي بالمعلومات من حيث المحتوى والكثافة وتنوع وتعدد مصادر الحصول عليها. لذلك فالتخطيط الاستراتيجي هو عملية مكلفة تحتاج إلى قيادات ماهرة وكفوءة ووقت كافي، وضرورة توفر كم هائل من المعلومات والبيانات ذات التكاليف العالية( ).
مفردات عملية التخطيط الاستراتيجي
تتكون عملية التخطيط الاستراتيجي من ثمان مهام جوهرية، وبإمكان المدراء تخطي إحدى المهام صعودا، أو نزولا خلال مزاولتهم عملية التخطيط. تؤثر العقلانية المقيدة ومعطيات النموذج السياسي لصناعة القرار على عملية التخطيط الاستراتيجي، إلى جانب المؤثرات الأخرى النابعة من الظروف البيئية المحيطة. وفيما يأتي شرحا موجزا لمفردات عملية التخطيط الاستراتيجي( ).
1. صياغة الرسالة والأهداف، والتي تتضمن سؤالين : الأول ماذا تريد أن تكون المنظمة مستقبلا؟. والثاني ماهي الأهداف الموصلة بالمنظمة إلى مكانتها؟. يجري صياغة وبناء رسالة المنظمة في ضوء معطيات ومتغيرات البيئة المحيطة بالمنظمة ( إقتصادية، واجتماعية، وتكنولوجية، وسياسية...).
2. تشخيص الفرص والتهديدات. يقع على عاتق المديرين مهمة كبيرة في تشخيص التهديدات المحتملة أمامهم، وبذل المحاولات المتعددة لتحجيم آثار البيئة والتهديدات، وبما يسمح للمنظمة اقتناص الفرص والسير بخطوات نحو الهدف.
3. تقييم جوانب القوة والضعف، تسهم عملية تقييم جوانب القوة والضعف للمنظمة في تمكين مديري المنظمات لتحديد كفاءات منظماتهم وثقتها تجاه مسيرتها نحو المستقبل. يغطي مثل هذا التقييم الإمكانات التنافسية ومهارات وكوادر المنظمة وقابليتها التكنولوجية، ووفرة مواردها المتعددة وسعة خلفيتها وقيمها الإدارية.
4. توليد الاستراتيجيات البديلة، يشرع مديروا المنظمات إلى تقسيم جوانب القوة والضعف، والوقوف على الفرص المتاحة والتهديدات التي تتعرض سبيل المنظمة. تتضمن هذه المرحلة توليد الاستراتيجيات البديلة والتي تشمل استراتيجيات تطوير السوق واكتشاف الزبائن، أو استراتيجية تطوير المنتج، لتتعامل المنظمة مع الظروف والمواقف المحتملة في المستقبل.
5. بناء الخطة الاستراتيجية، لابد من التأكيد على ضرورة تبني الخطة الاستراتيجية بعد توليد الاستراتيجيات البديلة، وتفعيل الأنشطة الواجب اعتمادها لبلوغ الغايات التنظيمية المنشودة، كاستخدام التكنولوجيا المطلوب توظيفها، والبحث عن السوق المعني بالسلعة، والموارد المالية والبشرية والمعلوماتية المطلوبة والتي تزيد من إمكانية المنظمة لتحقيق أهدافها .
6. بناء الخطة التكتيكية، إن الهدف من بناء الخطط التكتيكية هو لتسهيل وتفعيل الخطط الاستراتيجية. وإن هذه الخطط تدعم مسيرة المنظمة في ضوء الظروف والمستجدات التي تفرض هذه المسيرة دون تعثر، أو توقف محتمل.
7. مراقبة وتقييم النتائج، تلازم أعمال التخطيط الاستراتيجي والتكتيكي والخطط الأخرى أعمال الرقابة والتقييم للتاكد من تنفيذ ما تم وضعة في الخطط. وإن النتائج التي تمخضت عنها هي المطلوب بلوغها. وفي حالة ظهور نتائج غير مرغوب فيها، فإنه يفرض على إدارة المنظمة إعادة النظر واتخاذ الإجراء التصحيحي اللازم حسب ما يقتضيه الحال.
8. تكرار عملية التخطيط، تلعب الظروف البيئية دورها المؤثر على المنظمة وبتفاعلها المستمر تحدث التغيير المباشر وغير المباشر عليها، ويتطلب على المعنيين من المديرين إعادة عملية التخطيط وتكريرها باعتبارها عملية مستمرة ولا تقف عند نهاية معينة.
يلاحظ أن المنظمات التي يتأثر نشاطها بالأحداث المحلية والإقليمية والعالمية بشكل كبير تكون ذات استخدام كثيف للمعلومات وخاصة الاستراتيجية.
يدعو بعض المتخصصين في تقانة المعلومات إلى إيجاد "وحده معلومات تسمى استخبارات الأعمال"( ). تقوم هذه الوحدة بجمع المعلومات المتعلقة بالمنظمة من خلال برامج يحتوي على نماذج إحصائية لتصميم شكل المعلومات المطلوبة مستقبلا، ويستخدم بعضها في التنقيب عن البيانات.
يلاحظ أن الكثير من المعلومات الاستراتيجية تكون غير متوفرة داخل المنظمة، بل يجب الحصول عليها من خارجها، فضلا على أن البعض من هذه المعلومات تكون ذات صفة متغيرة لا يمكن الاعتماد عليها، كما أن بعض المعلومات يتضمن إيجاد معايير لترابطها بشكل أساسي بسلم القرارات المتخذة. "يمكن أن نرى في إطار المنظور الموضوعي أن طبيعة ونشاطات المنظمة له تأثير كبير على محتوى وكثافة استخدام المعلومات لاختلاف بيئاتها، فبعضها يتسم بالثبات النسبي، في حين البعض الآخر سريع التغيير"( ). ومهما اختلفت بيئة المنظمات ومتغيراتها، "فقد أصبحت هناك برامج استخبارات لمنظمات الأعمال تستخدم من قبل الموظفين لتساعدهم لفهم البيئة ومتغيراتها عن طريق استخدام الواجهة الذكية التي تسمح لهم بالاستفسار عن متطلباتهم"( ).
تبرز موضوعات بيئية جديدة عندما تغير منظمة ما قوتها الدافعة. فما هي الاتجاهات والتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية والاجتماعية التي ينبغي علينا ملاحظتها؟.. وما هي المعلومات المطلوبة؟.. وما هي مصادر المعلومات الملائمة - داخل وخارج المنظمة؟.. وكيف ينبغي أن تجمع هذه المعلومات وتفسر؟..وكيف ينبغي أن تهتم بها الإدارة العليا وتوجه هذه العملية؟.. فالجواب عن هذه الأسئلة يقع على عاتق الإدارة العليا، "وأن تهتم بهذه الموضوعات الخطيرة، ويجب تحديد المعلومات البيئية المعينة والانتقائية المطلوبة للتخطيط الاستراتيجي. وأن تنشىء جهازا يتأكد من أن هذه المعلومات قد جمعت وحللت وقدمت بحيث يتمكن فريق الإدارة العليا من استخدامها بسهولة وفاعلية من أجل تحديد القوة الدافعة المستقبلية"( ).


ثانيا: مدارس الفكر التخطيطي
يعد التخطيط بأنواعه التكتيكي والاستراتيجي الوظيفة التي تتضمن عملية تحديد الأهداف والغايات المستقبلية، وكذلك التنبوء بالطرق والمسالك والأساليب الموصلة للأهداف المرغوبة والمحددة.
تنطلق جهود المديرين المعنيين نحو رسم البرنامج، "وتوزيع الموارد وإقرار الأنشطة المطلوبة لتحقيق الأهداف"( ).
تعد الأفعال والسياقات الخاصة بالتخطيط "بأنها ترجمة لما قام به مجموعة من الباحثين المتخصصين في الدراسات الاستراتيجية للشوؤن السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتكنولوجية، والعلوم الأخرى"( ).
توسعت أحجام المنظمات وتنوعت أعمالها نتيجة للتغيرات السريعة والظروف المحيطة بها، مما استوجب ظهور مدارس ومؤسسات متخصصة في التخطيط، يتحلى أعضاؤها بالمعرفة المتميزة والمهارات لتحقيق الحالة المثلى في التطور الاستراتيجي، وتنفيذ الخطط في المستويات العليا للدولة.
تعد التطورات في الاستخدام المنظم والعلمي التي حدثت في التفكير الاستراتيجي، كأسلوب ومنهج لإدارة المنظمات وبرامجها، هو وليد خبرات القرن الماضي وبداية القرن الحالي، "وشهد تعاظم دور الحكومات والمنظمات في كل الأنظمة المعاصرة، رأسمالية كانت أم اشتراكية، ومتقدمة كانت أم نامية."( )
شرع الكتاب والاختصاصيين إلى عرض مدارس فكرية لصياغة الاستراتيجية وبناء عمليات التخطيط الاستراتيجي. تعتمد هذه المدارس والمؤسسات في أغلب مناهجها على الجانب العلمي والمعلوماتي في التخطيط، لذا يرى الباحث من الضرورة تقديم موجز لهذه المدارس بغية الوقوف على المرتكزات المعرفية الخاصة لكل مدرسة، وكما يلي( ):
1. مدرسة التصميم. ترتكز على عمليات منهجية ومرتبة ذات طابع مفاهيمي، وتحاول أن تصيغ الخطة الاستراتيجية في ضوء تحليل الفرص والتهديدات البيئية، ونقاط القوة والضعف الداخلية.
2. مدرسة التخطيط. تؤسس على نظام رسمي للتخطيط، وتلعب فيه إجراءات تنظيمية وإجرائية معينة دورا أساسيا يشكل المدراء الرئيسيين الجزء الأكبر في التخطيط له. كما يمكن أن يلعب متخصصوا التخطيط دورا مهما في وضع الخطط على أسس واضحة. تتسم الخطط الناتجة من هذه المدرسة بالتكاملية والشمولية.
3. المدرسة الموضوعية. تشكل على محتوى الخطط ومكوناتها من خلال تحليل شمولي لمختلف أبعاد بيئة عمل المنظمة، وأهداف ذات علاقة مبنية على عمليات تحليلية تستند إلى المعلومات والبيانات والمعطيات المهمة في عمل المنظمة. أصبح مسؤولو التخطيط متخصصين في التحليل والتركيب لفرض وضع المنظمة في موقع تنافسي أفضل قياسا بالمنافسين.
4. المدرسة الريادية. تعتمد هذه المدرسة على رؤية القائد الأعلى للمنظمة أو المؤسس لها. لذلك فإن عملية صياغة الخطة يجب أن تكون موجهة في إطار رؤية القوى الأساسية للمنظمة.
5. المدرسة المعرفية. تعتمد هذه المدرسة على عمليات معرفية فكرية. تستند إلى التأويلات والتفسيرات للمعطيات من معلومات، وتركيب هذه المعرفة بطريقة تؤدي إلى خيارات ممكنة التنفيذ.
6. مدرسة التعلم . تستند هذه المدرسة إلى الأفكار الأولية الخاصة بعمليات التخطيط، التي تصحح من خلال التجربة الواقعية الراهنة، وإن نقطة القوة الأساسية لهذه المدرسة تستند إلى عمليات تعلم مستمرة، ولا تبنى على تنبؤات مسبقة فقط.
7. مدرسة القوة. يطلق عليها بالمدرسة السياسية. وتفترض هذه المدرسة أن عمليات التخطيط ما هي إلا مراحل لمساومة الصراع بين مختلف الأقطاب المؤثرين. تعتمد على المعلومات ودراستها وتحليلها في إدارة صراعها مع الفهم الجيد للعلاقات المتبادلة بين الأطراف كافة.
8. المدرسة الثقافية. ترى هذه المدرسة أن للثقافة تأثير مهم وأساسي على الاستراتيجية وعمليات التخطيط. تعتمد هذه المدرسة على المعرفة السابقة واللاحقة، وتستخدم المعلومات لتطوير استراتيجيتها، إضافة إلى البعد الاجتماعي وتأثيره على الخيارات النهائية للمنظمة.
9. المدرسة البيئية. يعتمد صياغة الاستراتيجية وعمليات التخطيط لهذه المدرسة على المناورات اللازمة في التعامل مع الأحداث البيئية الداخلية والخارجية للمنظمة، مما يستوجب على المنظمة معرفة المعلومات التي تدور حولها ضمن هذه البيئة.
10. المدرسة التركيبية. تتمايز الاستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي، وتختلف أشكالها باختلاف الزمن. تستطيع هذه المدرسة من التوليف والتركيب بين مجموعة من التغيرات لتحقيق النجاح تحت مختلف الظروف والشروط. والشكل رقم (16) يوضح مدارس الفكر الاستراتيجي ودورها في التخطيط وبناء الاستراتيجية.
الشكل رقم (16) مدارس الفكر الاستراتيجي ودورها في التخطيط الاستراتيجي.



رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى البحوث الجامعية والمدرسية الشاملة
أدوات الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تحميل الكتاب الخطير حكام العالم الجدد، جون بيلجر،حكام العالم الجدد.كامبردج بوك ريفيور نفيس منتدى الكتب المتنوعة الالكترونية المتداولة والنادرة 3 December 24, 2013 08:37 PM
صور براكين روعه- براكين نشطة - صور اشهر براكين العالم - صور براكين وحمم بركانية خطيرة شهريار منتدى الصور والرسومات المتنوعة والخلفيات 10 October 19, 2013 10:11 PM


الساعة الآن 04:06 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتديات ستوب لاتُعبر بالضرورة عن رأي ستوب ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير