بنات النسيان
وقعت الشقيقتان بدون ذنب ضحية "للزواج العرفي" فمنذ أكثر من ريع قرن تزوج والداهما عرفياً وهربا إلي إحدي قري محافظة المنيا. 7 سنوات من الزواج العرفي أنجبا خلالها الفتاتين.. ولأن الخطأ خطأ مهما ألبسوه ثياب الشرعية.. ولأن "العرفي" في ظاهره زواج وفي جوهره جريمة.. فكانت المأساة.
بعد مرور 26 عاماً تقدمت الفتاتان وهما في العقد الثاني من العمر إلي مصلحة الأحوال المدنية لاستخراج بطاقة الرقم القومي فكانت المفاجأة أمام موظف التوثيق راح يكرر البحث علي جهاز الحاسب الآلي الذي يعمل عليه ويكشف عن البيانات والمستندات المقدمة له.. لكن في كل مرة يؤكد المحاسب أن شهادتي الميلاد مزورتان.. وانهن لم ينتسبا إلي الأب المدون اسمه بالأوراق.
ثم يعاود الموظف بالكشف عن البيانات المحفوظة علي جهاز الحاسب الآلي عن الأب المذكور في شهادة ميلادهن واسم زوجته وأبنائه.. ففي كل مرة يؤكد الحاسب أن الأم لم تكن في يوما ما زوجه له.. كما أن الأب لم ينجب هاتين الفتاتين.
لم يجد الموظف أمامه سوي إبلاغ اللواء جمال دحروج مدير إدارة البحث الجنائي بمصلحة الأحوال المدنية بالواقعة وإطلاعه علي كافة الإجراءات التي قام بها بالكشف عليها علي جهاز الحاسب الالي وما أسفرت عنه عمليات الكشف وبخبرته الخاصة.. وبحنكة ضابط المباحث المخضرم.. انتقل إلي صالة استخراج بطاقات الرقم القومي شعر أن الفتاتين بعيدا عن مستوي الشبهات واستدعاهما إلي مكتبه.. وراح يناقشهما ويواجههما بأن شهادتا ميلادهما مزورتان وأنهما لم ينتسبا لأبيهما رسمياً.
وعلي الفور استخرجت الأولي وثيقة زواجها باسمها رباعياً ويحمل لقب عائلة والدها.. شهادة الثانوية العامة بذات الاسم.. واستخرجت الصغري بطاقتها الورقية وكارنيه الجامعة وشهادة من الجامعة تفيد قيدها بالصف الثاني بإحدي كليات جامعة القاهرة.. وجميع الأوراق التي بحوزتهما تحمل اسميهما ونسبهما للأب.. كل هذا جعل مدير المباحث يتأكد أنه لابد من وجود جريمة أخري ارتكبت منذ زمن طويل.. ولابد أن الفتاتين ضحيتها.. ورغم برودة الجو راحتا تتصببان عرقاً.. فقرر اللواء دحروج استدعاء الأب فقررتا أنه سافر منذ طفولتهما ولم يعد وتقيمان مع والدتهما بالمنيب.. التقط منهما عنوان المسكن الذي يقيمان فيه وتم استدعاء الأم التي كانت بعد ساعات قليلة أمامه حتي فوجئت الفتاتان بها تدخل مكتب مدير المباحث.. انخلع قلبهما من هول المفاجأة.. تساءلت الأم بعدما قدمت تحقيق شخصيتها فهي سيدة مجتمع عن أسباب وجودها وابنتيها هنا.. أبلغها بأن شهادة ميلاد الفتاتين مزورتان وانهما لم ينتسبا للأب المذكور بالأوراق والمستندات التي بحوزتهن.. وضعت يدها علي خدها وراحت في تفكير عميق حتي عاد بها الزمن للوراء إلي 26 عاماً مضت همهمت بعبارات غير مفهومة مؤكدة.. وبصوت خافت اختلطت حروف كلماتها بدموع عينيها من أسفل نظارتها السوداء وروت تفاصيل المأساة.
فمنذ عام 1982 تعرفت علي شاب نشأت بينهما علاقة عاطفية رفضته الأسرة فقرر الهروب إلي الصعيد وهناك تزوجا عرفياً أنجبا الفتاتين وأمام مماطلته في قيدهما تطور الأمر لرفضه الاعتراف بزواجهما العرفي.. أدي لانفصالهما واصطحابها الطفلتين والعودة بهما لمنزل أسرتها بعد وفاة والديها ولم يتبق سوي شقيقها الكبير الذي لجأت له لإنهاء المشكلة مع زوجها وسلمته "ورقة" الزواج العرفي والذي قام بدوره بإحضار شهادتي ميلاد للطفلتين وبعد وفاته عكفت الأم علي تربيتهما وألحقتهما بالتعليم وتم عقد قران الكبري.. وقدمت لمدير المباحث ورقة الزواج العرفي والتي تحمل اسم الأب منذ يناير عام 1982 وأرشدت عن مكان عمله فهو من كبار رجال الأعمال.. تم الاتصال بالأب للحضور فجاء خلال دقائق وبمجرد مشاهدته لزوجته السابقة والفتاتين تسمرت قدماه علي باب المكتب لم يستطع نقل قدميه من مكانهما وارتمي علي أقرب مقعد مجاور للباب.
أكثر من ربع قرن من الزمان لم يرهما ولا يعرف شيئاً عن طفلتيه اللتين أنكرهما حتي صارتا عروسين.. وقبل أن يتلقي أي سؤال أسرع بالاعتراف بهما وبضمهما لأحضانه بل يستعطف أمهما للموافقة علي إتمام زواجهما رسمياً.