![]() |
|
|||||||
| التسجيل | التعليمـــات | قائمة الأعضاء | التقويم | اجعل كافة المشاركات مقروءة |
| نوافذ أدبية وكتّاب ثقافة و ادب و موروث ثقافي ثقافة و ادب , تراث , موروث ثقافي , مقالات , بحوث ثقافية , تراث الدول , التراث العربي , موروث شعبي , تراث شعبي , امثال شعبية , حكم شعبية , اهازيج و اغاني شعبية , العاب شعبية , ازياء شعبية, اطروحات ثقافية , كتابات, مقالات ,مقتطفات, مشاهير ,أعلام ,مفاهيم كتب ,اصدارات الكتب , اصدارات , دور الكتب , عادات الشعوب , فنون تشكيلية ثقافة ، ادب ، موروث ثقافي, تراث , مقالات , بحوث ثقافية , تراث الدول , التراث العربي , موروث شعبي , تراث شعبي , امثال شعبية , حكم شعبية , , العاب شعبية , , اطروحات ثقافية , كتابات, مقالات ,مقتطفات, مشاهير ,أعلام ,مفاهيم كتب ,اصدارات الكتب , اصدارات , دور الكتب , عادات الشعوب , فنون تشكيلية، شعراء،كتاب،نقذ،مقالات أدبية،أدب عالمي،نبذة عن حياة الشعراء،سير ذاتية، انتاجات أدبية،دراسات أدبية،نصوص أدبية،كل ما يتعلق بالأدب العربي والعالمي فنانون،مشاهير فن، مشاهير أدب، |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 16 | |
|
|
كان الإنسان المشرقي أولا، فجاء تراثه الروحي على تعاقب دياناته ورسله ورؤيوييه استجابة لذلك الإنسان وتعبيرا عنه وتجسيدا لنظرته. ولما كان هذا التراث الروحي مجرد تعبير عن الذات المشرقية وإعرابا عنها من غير أن يكون هو الذات نفسها، لم يكن له أي قدسية في ذاته ولا أي مبدأ حياة واستمرار، فحياته وقدسيته وفعله مستمدة كلها من إنسانه، تتصلب الذات المشرقية ويتوقف فعلها وتتجمد، فيسري التصّلب والتجمد إلى رسالاتها الروحية وتتحول دياناتها إلى طقوس، و"الكلمة اللوغوس" في كتبها إلى "الكلمة الحرف" والتدين إلى إدانة، والروح المحررة المضيئة المكهربة إلى قوة قمع وتكبيل وتعتيم وإخماد. وليس ينفع الشرقي أو الغربي مع ديانات مشرقية فرغت من إنسانها فغدت طقوسا محّنطة وأجسادا هشة من النصوص والشرائع والشعائر والممارسات، أن يرتد إليها أو يحاول رد الحياة إليها عن طريق إعادة تفسيرها وتأويلها أو فلسفتها بحيث تتلاءم مع حياته وظروفه وعلومه ومكتشفاته ومقتضيات عصره. الأجساد لا تتجدد من ذاتها، بل هي نسمة الحياة فيها التي تلبس وتنضو منذ البدء، وتبدو مع ذلك وهي إياها، أبدا جديدة. المطلوب ليس الارتداد إلى هذه أو تلك من الديانات المشرقية، فهذه كلها إضافات، بل إلى الإنسان المشرقي الذي كان منذ البدء خلفها جميعا فجاءت في مجملها تعابير متعاقبة عنه وعن رؤيته الخلاصية المميزة الفريدة. كانت تعابير متعاقبة عنه في ماضيه وهي مرشحة أن تتعاقب مجددا في حاضره ومستقبله، إن هو استعاد نفسه، فيبدو بها وفيها، وهو إياه، أبدا معاصرا وجديدا، وأن في هذا ما دفع ميخائيل نعيمه، أحد أرفع مشرقيي الحركة المهجرية وروحانييها قامة إلى القول إلى إحدى مناسباته: إّني أرى خيال المشرق يطل على العالم من جديد، والذي يحمل مشعله نبي عزيمة الأرض في رجليه وقوة » السماء في ساعديه وبهاء الحق في ناظريه ووداعة المعرفة في لسانه وحلاوة المحبة في قلبه. وسيمشي هذا النبي بين الناس شرقا وغربا فيتبعه بعض من هم أشد تصّلبا للعقل ومحسوساته. ويهرب منه الكثير ممن يحسبون أنفسهم في رأس أبي الهول وهم ما يزالون في ذنبه. وسيحمل هذا النبي قلبه على كتفه طعاما لكل جائع. فيأكلون منه في الغرب ويتسممون، ويتناولون منه في.« الشرق ويحيون، ولن يصلب أما الإنسان المشرقي هذا الذي استفاق عليه المهجريون، برؤياه النبوية المتميزة كما تجسدت في تراثه وبنظرته الفريدة إلى نفسه، وإلى الحياة والكون، فهو ذلك الكائن الإبراهيمي الذي كان منشؤه منذ آدم في بقعة من الأرض غطتها العروبة وترعرع فيها تراثها من عدن إلى بلاد ما بين النهرين امتدادا حّتى ثغور أنطاكية. ففي نظرة هذا الإنسان النابعة من تركيبه الذهني والتي تختلف جوهرا عن نظرة أي إنسان آخر في حضارات العالم التي يعرفها التاريخ، أن الكون قائم على جرح دهري رهيب ضارب في أعماقه حّتى الجذور. الكون ليس ثنائية مظهر وحقيقة كما عند اليونان، إّنه ليس عالمين اثنين يتمرأى واحدهما في الآخر بحيث يستطيع الإنسان بوسائل المعرفة المتيسرة لديه أن ينتقل بحثا واستقصاء وتجريدا من المجسد إلى المجرد، وأن يرقى من كثافة الزمني والمكاني إلى معقولية المطلق من غير أن يشرخه الجرح فيبدله كيانا بكيان ووجودا بوجود، كأن يكون دودة مهيضة فيستحيل عبر الجرح فراشة مجنحة، أو رمادا هامدا فيخضبه الجرح ويتحول به إلى فينيق. والكون إبرهيميا من جهة أخرى ليس وحدة موصولة الحلقات ولا جرح فيها، كما في المشرق الهندي والصيني، ينتقل السالك في معارجها تأملا وانجذابا معراجا بعد معراج حّتى يخلص بنفسه مفردا ومن غير جلجلة، على قمة النرقانا. من هنا لم يكن للإنسان المشرقي الإبراهيمي العربي، شأن شقيقه الهندي الصيني، وقد أوحشه عالم "المايا" المتحرك، أن ينسل منه انسلال طارئ عليه ومتنصل منه ومنفعل به غير فاعل فيه وأن يلوذ عزوفا واستغراقا وسكونا بعالم مفارق، وذلك من غير تقطيع أوصال "حلاجية" أو مد يد مخّلصة إلى وراء أو حنوا له ينزل ب "كلمته" رحمة إلى العالم من أجل أن يرتفع به إليه. كما لم يكن له من جهة أخرى، وقد أيأسته في حياته، كما فعلت بشقيقه الغربي اليوناني عملية الجمع بين الظاهر والباطن وبين الواقع والمثال، أو بين عالم ال "كيف" الذي هو عالم الطبيعة وعالم ال "لماذا" الذي هو عالم الما وراء فأفضى به الأمر نهائيا كما هوة شأن إنسان الحضارة الغربية إلى الفصل بينهما والتركيز على ال "كيف" مكان ال"لماذا" وهما في ذهنه أصلا منفصلان، وذلك من غير جرح فيه أو دم أو جلجلة. الوجود عربيا إبراهيميا، كما تمّثله المهجريون ونضج به أدبهم فجاء لأول مرة في أدبنا الحديث عربيا خالصا في هويته، ليس وحدة ناجزة متواصلة الحلقات ينسل فيها السالك في اتجاه واحد، من حركية الدائر المحيط إلى سكون المحور. ولا هو عالم طبيعة وما وراء يمكن الإنسان في مجال العلم والمعرفة والحياة أن يفصل بينهما فيعطي لكل حقه من غير أن يستشعر في كيانه أي توتر إن شرخ أو انفصام. الوجود العربي الإبراهيمي ليس عالمين اثنين ولا هو عالم واحد سوي، بل هو فلقتان متباعدتان لجرح دهري ضارب في الكيان الواحد الذي هو الحياة بمعناها الشمولي المطلق: فلقة عدنية علوية إلهية، وفلقة أرضية سفلية هي عالم الزمن الساقط. وغاية الحياة من الإنسان، وهو الممتد عبر الهوة والعالق بين الفلقتين، كغايته هو منها، وهي أن يشد الفلقة الواحدة إلى الأخرى فيلتئم به الجرح ويزول الشرخ ويتوحد الكيان، مثل هذا لا يمكن أن يحاول تنظيريا فيستطيعه العقل أو التأمل أو الاستغراق، أو طبيعيا فيستطيعه الاستقراء والعلم والتكنولوجيا، مثل هذا لا يمكن أن يتحّقق إلا كيانا. فالكائن العربي الإبراهيمي المكّلف أن يكون الصلة الكيانية بين ضفتي الجرح، قدره كان منذ البدء، أن يظلّ في نزف دائم. دأبه أن يشد السفلي في نفسه وفي الناس إلى العلوي، وفي ذلك ما فيه من اقتلاع وتمزق وتقطيع أوصال ووجع، أو أن يهبط بالعلوي إلى السفلي بصيغة نبي أو كتاب أو مسيح في محاولة منه أن يرتد بهذا السفلي إليه، وفي ذلك ما فيه من هجرة واغتراب وجودي وموت من أجل فداء على جلجلة. لذلك جاء التراث العربي الإبراهيمي كّله منذ آدم، تراثا رسوليا قوامه إنسان يكالم الله أو إله يحل في كلمة، لا في سبيل خلاص فردي بل من أجل أن يتم بالكلمة أو بالإنسان الكلمة ومن خلالهما التئام الشرخ الإنساني الكوني، فيرتد الزمن الساقط إلى ما قبل السقوط ويعود آدم من هجرته في الأرض إلى عدن ويتسّنى للبشرية « الكلم » ولعلّ في هذا ما يفسر مجيئ الكلمة في العربية اشتقاقا من .« البحر الأحمر » عبر الجرح اجتياز معنى في ضوء الروح التحتية للتراث العربي الإبراهيمي كله إلا ذا كانت « كلمة » بمعنى الجرح. إذ ليس لعبور إلا وتقتضي من حاملها نزفا من دم « كلمة » تحمل ما من شأنه أن يسعف الناس في عبور الجرح، ولا وذبيحة. مثل هذا الجرح العربي الإبراهيمي وهذه النزعة العربية الإبراهيمية هو ما نراه في أدب المهجر على وجه في « على طريق إرم » العموم وعند نسيب عريضة وجبران ونعيمه على سبيل الحصر خاصة مطولة الأرواح الحائرة لعريضة والمصطفى في النبي لجبران، والأرقش في مذكرات الأرقش ومرداد في كتاب مرداد لنعيمه. ففي مطولة إرم يشد الشاعر، رمز الإنسانية الموغلة غربة وضياعا في أرض التيه والعتمة إلى لألأ إرم المدينة المنورة في الضفة الأخرى من المعبر. إلا أّنه لا يبلغ الضوء إلا بعد أن يتخضب بدم المطايا. وما مطاياه إلا الشق الزمني في نفسه وفي الناس المنغلّ في الأرض انغلال الدودة بفيلقتها، إلا أّنه مقضي على ذلك الشق أن يسكر بدمه ويموت إذا هو شاء أن يصير مجّنحا فيعبر. أما المصطفى، نبي جبران في مدينة أورفليس رمز نيويورك حصرا مدينة الناس في الأرض جملة، فيعانق وهو في مهجره الغربي بينهم الأنوار الإرمية ويشد هو أيضا إلى مدينة الشرق الماورائية المنورة عبر الجرح. إلا أّنه وهو يدلي إليهم قبل أن يرتحل بما يجعله هو نفسه جسر عبور لهم أيضا، يلسعه الجرح ويعضه الوجع، وجع الاقتلاع: لا، ليس من غير جرح في النفس سأرتحل » عن هذه المدينة... إّنه ليس ثوبا هذا الذي أخلعه اليوم، بل إّنه الجلد، جلدي هذا الذي أمزقه أنا نفسي بيدي... والكثير الكثير من السهام التي انطلقت من قوسي ما غادته إلا طلبا لصدري. ويزداد الشرخ العربي الإبراهيمي عمقا ودما في أرقش نعيمه، الشخصية الروائية التي تتجسد فيها كينونيا البحر » الفلقتان المتقابلتان للجرح. يحاول الأرقش من نفسه وبنفسه، باعتباره رمزا للبشرية كلها، أن يجتاز إّنه عاشق كأعنف وأعظم ما يكون العشق. إلا أّنه ما أن يقترن بمعشوقته حّتى يذبحها قبل وصلها .« الأحمر في المخدع الزوجي، تاركا خلفه ما نصه: « ذبحت حبي بيدي لأّنه فوق ما يتحمله جسدي ودون ما تشتاقه روحي » أما المذكرات بعدئذ، فتداعيات نفس اقتضاها سعيها إلى الإرمي المطلق، أن يغتسل بالدم. فالحب بمعناه الروحي الأعمق هو شوق النفس المجتزأة في عالم الزمن إلى الاكتمال بمعشوق هو رمز خلاصها من الانقسام وخروجها من النقص إلى الاكتمال. إلا أن الحب بمعناه الجسدي هو عودة بالمعشوق بعد الشهوة الطاغية وبفعلها إلى الزمنية التي كان قبل وعدا بالخروج منها. لذلك كان المخدع الزوجي بالنسبة إلى الأرقش حدا فاصلا بين ضفتي بحر أحمر. فالدم المسفوح فيه نجيع انسان يتوق السفلي فيه إلى العلوي فيفضي به ذلك إلى جسد يذبح لأّنه دون ما تشتاقه الروح، وينشد فيه العلوي إلى السفلي فينتهي به الأمر إلى أن يضحي بإله هو فوق ما يستطيع أن يتحمله جسد. لذلك كان الأرقش في مذكراته ذلك الإنسان العربي الإبراهيمي الذي قدره أن يكون في جوهر وجوده ذابحا مذبوحا من حيث هو ذابح. وتبلغ السمات الدهرية للتراث العربي الإبراهيمي أوضح تجلياتها في الأدب المهجري وأكملها تصورا ورؤية وبناء في مرداد نعيمه. قوام هذا الكتاب أسطورة حاكها المؤّلف عن دير خرب مهجور على قمة مستعصية لعّلها رمزا، قمة صّنين التي كان الكاتب يقطن عند أحد سفوحها في لبنان. تعود ،« آلاس واللبان » من جبال الأسطورة بالدير إلى سيدنا نوح الذي استحضر قبيل وفاته ساما كبير أبنائه وأوصاه أن يبني على القمة، تماما حيث سبق أن رست السفينة، بيتا للرب قوامه دائما تسعة مختارين من مهمتهم أن يبقوا فيه نارا مشتعلة. فالبيت تذكير دائم للناس بالطوفان الذي كان من دنيوياتهم أن جلبته على أنفسهم، والنار رمز للإيمان الذي إذا استمروا في تعهده جّنبهم طوفانا آخر يبدو، قياسا على مسلك الناس في الحياة، إّنه لا محالة مقبل. أما التسعة فبعدد الأشخاص الذين كانوا في السفينة: ثمانية هم نوح وذريته، أما التاسع على ما أفضى به نوح لولده، فكان شخصا غير منظور إلا منه رافقه طوال عهد السفينة وأمسك دائما بيده وهي قابضة الدّفة. وكان أمر نوح ألا يهتم السدنة باختيار تاسعهم كّلما نقص عددهم وترتب عليهم إتمامه كما هو مقتضى الوصية، بل أن يضموا إليهم أول طارق مهما كان جنسه أو وضعه أو قيافته، ذلك أن الذي أرسل التاسع إلى الفلك هو الذي سيتدبر أمر تاسعهم. وكان ما توقعه نوح في حدسه. فالبيت الذي رغب إلى السدنة فيه أن يعيشوا على الحد الأدنى من الصدقات وأن يوزعوا الفائض على المحتاجين، أُثقل مع الزمن بثروات الأرض على أنواعها وتحول سدنته باسم ائتمنوا عليه من متصدقين إلى جماع وطماع ومستثمرين. أما أن البيت اليوم خرب ومهجور، فلأن رئيسه المتسّلط الجشع في عهد من العهود رفض استقبال طارئ أتى ليحلّ محل تاسع كان قد رحل، بسبب قيافته المزرية ومظهره الحقير. إلا أن هذا الطارئ نفسه الذي نجح في إقناع الرئيس أن يدخل البيت ولو خادما، ما لبث أن تكشف عن شخصية رائية غريبة مغنطت بتعاليمها وإشعاع حضورها سائر الأخوة ماعدا الرئيس، فضوأوا بالنور الأصيل، ونزعوا عن البيت العتيق ستائر دنياه التي حالت بين نوافذه والضوء، وهبطوا خلف هاربهم من القمة عبر منحدر من الصوان رهيب إلى العالم عند السفح لكي يكونوا الخميرة لعهد في الناس جديد. أما سيرة هذا الهادي وأقواله الخلاصية، وقد سبق أن دونها أحد السبعة في كتابه هو كتاب مرداد، الاسم الذي عرفوا به معلمهم، |
|
|
|
|
رقم المشاركة : 17 | |
|
|
فأبقاها المعلم تحت بلاطة المذبح بعد أن أنزل قضاءه بالرئيس، وهو شمادم، أن يبقى الدهر حارسا للكتاب فلا ينحل أساره إلا حين يقيض الزمن من يرقى ثانية إلى القمة عبر منحدر الصوان إياه لتسّلم الوديعة وحلّ الأسار. هكذا حكت الأسطورة كما كان يتداولها أهل السفح في المنطقة أبا عن جد. أما أ ن أحدا منهم على كر السنين لم يحاول التسلق إلى "قمة المذبح" للتحقق من الواقع وعتق الراهب المسحور والعودة بالكتاب، فلأن دون تلك القمة على امتداد شبه عمودي رهيب منحدر مستحيل من الصوان المسنن الدقيق. وحده الراوية تلهبه الأسطورة ويستثيره التحدي فيشد إلى الكتاب سيرا على الصوان الدقيق المسنن وعتاده عكاز وسبعة أرغفة. ويتكشف الصعود بعدئذ، رمزا بعد رمز كما هو واقع الأسطورة كلها، عن الملحمة الدهرية الرهيبة التي هي ملحمة الإنسان العربي منذ آدم وعهده بالشرخ الكوني بين الشق الساقط والشق الخالص في الكيان الإنساني الواحد، بل في طبيعة الحياة نفسها بمعناها الشمولي الأوسع. فما أن يمعن المتسّلق في الصعود حّتى تتعاقب عليه طائفة من الظاهرات العبثية المغربة، يعضه الجوع فيأتيه من ينتزع أرغفته السبعة ويطعمها كائنات أسطورية، زاعما أن لا شبع لسالك مثل ذلك الدرب إلا لمن يتخذ من لحمه زادا، ولا ري إلا لمن شرابه من دمه. وينهش الصوان حذاءه ويبري قدميه ويقعدهما، فيأتيه من يسلبه عكازه زاعما أن خير عكاز للمقعد أن يسير بلا عكاز. ويقبل عليه الليل ويلسعه البرد حّتى إذا احتمى بغار، أتاه من يعريه مما تبقى من ثيابه زاعما أن خير لباس للصاعد هو أن يتدرع بعريه. ويمعن الصوان في لحمه وعظامه نهشا وبريا وتعرية، ويأخذه الوجع الأكبر والتخّلي الرهيب، فإذا هو من نفسه على شفير "الهوة السوداء" التي لا يلبث أن يغوص في غيبوبتها وغيهبها العدمي الدامس. وكان أن في ذهاب النفس عودتها: يستفيق الصاعد فيجد نفسه فعلا على القمة، في الفلقة المقابلة من الجرح الكوني، و"الكتاب" بين يديه، يتصفحه، يتملاه، ثم يستر عريه بثياب السادن المسحور الذي انقلب صخرة، ويعاود الهبوط بالرسالة الخلاص التي هي كتاب مرداد، إلى السفح. بين السفح في الإنسان وقمته منحدر طويل من الصوان، والذي يأخذ على نفسه أن يجتاز المنحدر ليشد سفلي الإنسان إلى علويه، فينيق عربي يختار أن يترمد هو نفسه في عدن ومن أجلها، كي يستنبت من رماده أجنحة للناس، بين الكشوفات المكية و"المدينة"، مدينة إنسان السفح، هجرة وغربة واقتلاع. والذي يختار رد الثانية إلى الأولى مهجر ومهاجر باسم كتاب، سدنة البيت العتيق الذين هم أناس ما بعد الطوفان الجدد، قد حالت بين نوافذهم والضوء حضارة الإنسان الآلية المعاصرة فأعمتهم عن الذي هو "أبعد من موسكو ومن واشنطن" كما هو عنوان أحد مؤّلفات نعيمه ومنطوقة، وعن تاسع ثمانية الفلك الذي كان له وحده أن يسدد مسار السفينة وينتصر على الطوفان. لقد دار المهجريون دورتهم مع الحضارة الغربية المعاصرة فتفاعلوا معها وتأّثروا بها وأخذوا عنها تأكيدها على الإنسان. إلا أن الذي أكدوا هم عليه كان إنسانهم العربي الدهري لا إنسانها، فظلت لهم هويتهم المباينة. ذلك لم يكن منهم طلبا مفتعلا لتميز، بل شعروا حقيقيا بامتياز إنساني حضاري. وهكذا كان لهم من موقع هذا الامتياز أن تحولوا من تلامذة للغرب إلى مرشدين. فحضارة العقل والعلم والتكنولوجيا، على ما بلغته من قدرة وبأس وجبروت، لا تعدو كونها واقفة عند الفلقة السفلى من الجرح الكوني، وهي لا محالة غارقة في لجة ذاتها ما لم يتيسر لها من يجتاز إليها فيجيزها "البحر الأحمر". والذي هو مؤهل بطبيعة تكوينه الذهني لأن يجتاز المعبر جيئة وذهابا، كما يشهد تراث البشرية كله، هو الإنسان الإبراهيمي العربي. فعل ذلك في ماضيه، وهو قادر أن يفعل ذلك أيضا في حاضره، إن هو تمكن أن يعي ذاته ويستفيق على حقيقة هويته. لم يزعم المهجريون أّنهم مخّلصوا العالم. إلا أّنهم أعطوا بمؤّلفات ك كتاب خالد والنبي وكتاب مرداد وغيرها من مثيلاتها، النماذج الحية لنوع ذلك الخلاص المنشود، ولهويته. وفي الذي لاقته هذه المؤّلفات من رواج وشيوع عند الغربيين، وخاصة مرداد والنبي الذي ظلّ لسنوات طويلة أكثر الكتب مبيعا وانتشارا في الولايات المتحدة، شهادة أّنها، على عروبتها وغرابتها بالنسبة إلى الإنسان الغربي فاعلة فيه ومستجيبة لحاجة في نفسه، ومعاصرة. ذلك ليس لأّنها كتبت أصلا بالانكليزية وترجمت إلى معظم اللغات الغربية الحية، بل لأّنها، وهي موضوعة بألسنة غربية، ذات هوية خاصة ومنبع مغاير ونكهة غذاء متميز لجوع معاصر مختلف. إّنها تمّثل تراثا بالانكليزية أو بهذه أو تلك من لغات الغرب، إلا أّنها ليست تراثا إنكليزيا أو غربيا. لذلك لم يحدث، على شيوعها في الغرب، أن أدخلت في صلب الآداب الغربية أو تمّثلت في المجاميع أو المختارات التي تعرض لتلك الآداب أو تؤرخ لها. ففي حين كانت الحركة المهجرية أول نقلة في تراثنا الحديث من أدب بالعربية إلى أدب عربي، فإّنها بنتاجها الإنكليزي كانت أدبا عربيا بالإنكليزية لا أدبا إنكليزيا. |
|
|
|
|
رقم المشاركة : 18 | |
|
|
الموضوع الجديد |
|
|
|
|
رقم المشاركة : 19 | |
|
|
الأديب المنفي: |
|
|
|
|
رقم المشاركة : 20 | |
|
|
الأدب العربي القديم: |
|
|
|
|
رقم المشاركة : 21 | |
|
|
الأدب المهجري في أوائل القرن العشرين: آخر تعديل نوبية يوم 02-19-2008 في 02:42 PM.
|
|
|
|
|
رقم المشاركة : 22 | |
|
|
هواجس المهجريين: |
|
|
|
|
رقم المشاركة : 23 | |
|
|
الحياة المهجرية: |
|
|
|
|
رقم المشاركة : 24 | |
|
|
كثيرون يكتبون خارج بلادهم آخر تعديل نوبية يوم 02-19-2008 في 03:18 PM.
|
|
|
|
|
رقم المشاركة : 25 | |
|
|
إزاء ذلك كلّه، أي إزاء هذه الهجرات الكثيفة التي نعرفها اليوم، هل تأثر الأدب العربي الحديث بذلك؟ أي هل هناك اليوم أدب مهجري جدي؟ هل يلعب المكان الجديد دورا في الكتابة؟ |
|
|
|
|
رقم المشاركة : 26 |